لم يكن تقديم كتاب “إذا وعد… وفى” في باريس مجرد نشاط ثقافي عابر، أو لقاء روتيني داخل مقر حزبي بالخارج. فقد كشف هذا الحدث عن أزمة أعمق من غلاف الكتاب وعنوانه؛ إذ وضعنا أمام تساؤل جوهري: هل تُقاس حصيلة الحكومة بما يُروَّج لها في قاعات حزبية خارج المغرب، أم بما يعيشه المواطن في المستشفى والمدرسة وسوق الشغل؟
إن اختيار العاصمة الفرنسية لتقديم كتاب يتناول حصيلة حكومة مغربية يطرح إشكالاً حقيقياً في التوقيت والرسالة. فوفقاً للمعايير الديمقراطية، تُناقش الحصيلة الحكومية أولاً أمام الرأي العام الوطني، وتحت قبة البرلمان، وفي وسائل الإعلام، ومع الفئات التي تلقت الوعود الانتخابية وانتظرت أثرها في حياتها اليومية.
أما نقل “الحصيلة” إلى فضاء حزبي خارج البلاد، فيفتح باب سؤال مشروع: هل نحن بصدد توثيق سياسي هادئ، أم أمام محاولة استباقية لصياغة رواية جاهزة قبل أن تفتح صناديق الاقتراع باب المحاسبة؟
ولا يتوقف الأمر عند الجغرافيا، بل يمتد إلى المحتوى؛ إذ يركز الكتاب، وفق ما نُشر حوله، على قطاعات مفصلية مثل الصحة والتشغيل والتعليم، وهي المحاور التي شكلت عماد الوعود الانتخابية الكبرى.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه القطاعات لا تكمن في سطور الكتاب، بل في أثرها الملموس على حياة الناس. فالصحة لا تُقاس بالشعارات، بل بزمن الانتظار داخل المستشفيات، وبقدرة المواطن على العلاج دون أن يتحول المرض إلى مأساة مالية. والتعليم لا يُقاس ببلاغات الإصلاح، بل بجودة المدرسة العمومية وثقة الأسر فيها. والتشغيل لا يُقاس بلغة التفاؤل، بل بعدد الشباب الذين وجدوا عملاً كريماً بدل الانتظار والهجرة والإحباط.
ومن هنا، فإن عنوان “إذا وعد… وفى” لا يبدو بريئاً من الشحنة السياسية. فهو لا يكتفي بتقديم حصيلة، بل يصدر حكماً مسبقاً على مرحلة حكومية كاملة.
لذلك يصبح السؤال ضرورياً: من يملك حق منح شهادة الوفاء؟ أهو الكاتب والجهة المحتضنة للقاء، أم المواطن الذي ما زال ينتظر أثر هذه الوعود في جيبه وحياته اليومية؟
ليس من الخطأ أن يدافع أي حزب عن منجزاته، ولا أن يسعى إلى تقديم روايته السياسية أمام الرأي العام. فهذا حق مشروع في العمل الديمقراطي.
لكن الإشكالية تبدأ حين تتحول الحصيلة إلى خطاب احتفائي مغلق، يتعامل مع ولاية حكومية شهدت تحديات اجتماعية واقتصادية كبرى، من غلاء المعيشة إلى أزمة التشغيل، ومن ضغط الخدمات العمومية إلى سؤال العدالة المجالية، كما لو أنها قصة نجاح مكتملة لا تقبل النقاش.
لقد واجهت الحكومة، بلا شك، سياقات صعبة؛ من الجفاف إلى تداعيات الأزمات الدولية وارتفاع الأسعار. غير أن السياسة، في جوهرها، ليست شرحاً دائماً للصعوبات، بل قدرة على إيجاد الحلول. والحكومات لا تُنتخب كي تبرر الإكراهات للمواطنين، بل كي تتعامل معها بعدالة ونجاعة ووضوح. لذلك فإن تحويل الإكراهات إلى مظلة دائمة تمنع المساءلة عن النتائج لا يخدم النقاش العمومي، بل يضعف الثقة في الخطاب السياسي.
الأخطر في مثل هذه الإصدارات أنها لا تكتفي بتوثيق مرحلة، بل تسعى إلى تأطير الذاكرة السياسية قبل اكتمال النقاش حولها. هناك من يريد أن يكتب نهاية الولاية بعنوان “الوفاء”، وهناك مواطن يرى أن العنوان الأخير لا يُكتب داخل قاعة حزبية، بل في السوق، والمستشفى، والمدرسة، ومكتب التشغيل، وفاتورة الكهرباء، وسعر القفة، وانتظار الشباب لمستقبل أقل غموضاً.
وبين الروايتين، تقف الحقيقة في منطقة أكثر تعقيداً: لا الإنكار ينصف الواقع، ولا التمجيد يقنع المواطن. فالحصيلة الحكومية لا تحتاج إلى عناوين رنانة بقدر ما تحتاج إلى أرقام قابلة للنقاش، ومعطيات مفتوحة، ومقارنة واضحة بين ما وُعد به المغاربة وما تحقق فعلاً.
فإذا كانت الوعود قد تحققت، فلتخرج إلى امتحان الرأي العام بلا خوف. وإذا كانت هناك اختلالات، فالأجدر الاعتراف بها بدل تغليفها بلغة الانتصار.
إن كتاب “إذا وعد… وفى” قد يكون مناسبة لفتح نقاش سياسي جدي حول حصيلة الحكومة، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى شهادة جاهزة تُمنح قبل المحاسبة.
لأن الديمقراطية لا تقوم على أن يصفق المحيط الحزبي للحصيلة، بل على أن يفحصها المواطن بحرية، ويسائلها الإعلام بجدية، ويناقشها البرلمان بمسؤولية.
في السياسة، لا يكفي أن تقول: “إذا وعد وفى”.
الأهم أن يجيب المواطن: هل وفى فعلاً؟
