حين يتحدث وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد المهدي بنسعيد عن علاقة الشباب بالسياسة، خلال حلوله ضيفاً على برنامج “ضيف الجواز”، فإنه يقدم رؤية تبدو في ظاهرها منطقية: ابتعاد الشباب عن السياسة لا يعني أنها لن تؤثر في حياتهم، وأن الانخراط في العمل السياسي يظل المدخل الأنجع للتأثير في السياسات العمومية.
غير أن هذا الطرح يفتح في المقابل نقاشاً أوسع حول الأسباب الحقيقية التي جعلت جزءاً مهماً من الشباب المغربي يبتعد عن الفضاء الحزبي والسياسي خلال السنوات الأخيرة.
فالعزوف السياسي لا يمكن تفسيره فقط بضعف الاهتمام بالشأن العام أو بنوع من اللامبالاة، كما قد يوحي بذلك الخطاب الرسمي أحياناً.
بل إن هذا العزوف يرتبط أيضاً بطبيعة اشتغال المنظومة الحزبية نفسها، وبالإحساس المتزايد لدى كثير من الشباب بأن الفضاء السياسي لم يعد قادراً على استيعاب طموحاتهم أو التعبير عن تطلعاتهم الاجتماعية والاقتصادية.
لذلك تبدو دعوة الشباب إلى الانخراط في العمل الحزبي بالنسبة للبعض وكأنها دعوة للعودة إلى فضاء لم ينجح بعد في إقناعهم بقدرته على إحداث تغيير ملموس في حياتهم اليومية.
في الواقع، تكشف عدة قراءات للمشهد السياسي المغربي أن نسبة مهمة من الشباب لم تعد ترى في الأحزاب فضاءً قادراً على تمثيل تطلعاتها.
فضعف المشاركة الانتخابية في صفوف الفئات الشابة خلال الاستحقاقات الأخيرة يعكس فجوة متنامية بين الخطاب السياسي التقليدي وتحولات المجتمع، خاصة مع صعود جيل جديد تشكل وعيه السياسي داخل الفضاء الرقمي أكثر مما تشكل داخل المقرات الحزبية.
هذا التحول يطرح سؤالاً أساسياً حول قدرة الأحزاب والمؤسسات على تجديد أدوات التواصل والمشاركة بما يتلاءم مع جيل لم يعد يقيس السياسة بالشعارات، بل بقدرتها على تحسين شروط العيش وفتح آفاق واقعية للمستقبل.
هذا النقاش لا ينفصل عن واقع اجتماعي واقتصادي أكثر تعقيداً.
فالشباب يشكلون اليوم إحدى أكثر الفئات تأثراً بتقلبات سوق الشغل وارتفاع معدلات البطالة، وهو ما يجعل علاقتهم بالسياسة مرتبطة بشكل مباشر بقدرة السياسات العمومية على تحسين شروط العيش وفتح آفاق حقيقية للمستقبل.
وفي ظل هذه التحديات، يصبح من الطبيعي أن يقاس الخطاب السياسي الموجه إلى الشباب بمدى انعكاسه الفعلي على حياتهم اليومية.
في هذا السياق، يحرص بنسعيد على التأكيد أن وجود جيل شاب داخل الحكومة يمكن أن يمنح نفساً جديداً للعمل العمومي.
غير أن هذا الطرح يثير بدوره تساؤلاً مشروعاً: هل يكفي عامل السن لإحداث تجديد حقيقي في السياسة؟ فالتجارب المقارنة تظهر أن التجديد السياسي لا يقاس فقط بعمر المسؤولين، بل بقدرتهم على تقديم سياسات مختلفة أو مقاربات جديدة لمعالجة الإشكالات القائمة.
وبمعنى آخر، فإن حضور وجوه شابة داخل المؤسسات قد يحمل بعداً رمزياً مهماً، لكنه لا يصبح مؤشراً فعلياً على التغيير إلا إذا رافقته اختيارات سياسية قادرة على تحسين واقع الشباب.
ويبرز هذا النقاش بشكل أوضح عندما ينتقل الوزير إلى الحديث عن البرامج الموجهة للشباب، وعلى رأسها تطبيق “جواز الشباب” الذي تقدمه الوزارة كمنصة رقمية تجمع عدداً من الخدمات داخل فضاء واحد.
الفكرة في حد ذاتها تنسجم مع التحولات الرقمية التي يعرفها العالم، كما يمكن أن تسهم في تسهيل الولوج إلى بعض الخدمات الثقافية والترفيهية.
غير أن السؤال الذي يطرحه عدد من المتابعين يتعلق بمدى قدرة مثل هذه المبادرات على معالجة التحديات الكبرى التي تواجه الشباب المغربي اليوم، وفي مقدمتها البطالة وصعوبة الاندماج الاقتصادي.
فالشباب الذين يواجهون تحديات حقيقية في سوق الشغل قد لا يرون في التخفيضات المرتبطة بالأنشطة الثقافية أو الترفيهية حلاً مباشراً لإشكالاتهم اليومية.
لذلك يرى بعض المنتقدين أن هذه المبادرات، رغم أهميتها من زاوية تحسين الولوج إلى بعض الخدمات، تظل أقرب إلى أدوات للتواصل المؤسساتي منها إلى سياسات عمومية قادرة على معالجة جذور الإشكالات البنيوية التي يعيشها جزء واسع من الشباب.
حتى حديث الوزير عن تجربته في صفوف المعارضة باعتبارها “مدرسة سياسية” يفتح بدوره باباً لنقاش أوسع حول طبيعة المشهد السياسي الحالي.
فالكثير من المواطنين، خصوصاً من فئة الشباب، أصبحوا ينظرون إلى الفوارق بين الأغلبية والمعارضة داخل البرلمان باعتبارها أقل وضوحاً مما كانت عليه في مراحل سابقة.
هذا الإحساس بتقارب الخطابات السياسية قد يساهم بدوره في تعزيز الشعور بأن الخيارات المتاحة داخل المشهد الحزبي لا تقدم دائماً بدائل واضحة بما يكفي لإعادة جذب الشباب إلى العمل السياسي.
من هذا المنطلق، فإن العزوف السياسي لا يمكن اختزاله في ضعف الوعي أو نقص الاهتمام، بل يرتبط أيضاً بإحساس متزايد لدى بعض الشباب بأن تأثيرهم في مسار القرار السياسي يظل محدوداً.
لذلك فإن إعادة بناء الثقة بين الشباب والمؤسسات لا تمر فقط عبر إطلاق منصات رقمية أو برامج جديدة، بل عبر تعزيز آليات الشفافية والمحاسبة وتوسيع فضاءات المشاركة الفعلية في صياغة السياسات العمومية.
يبقى الرهان الحقيقي أمام السياسات الموجهة للشباب هو الانتقال من منطق الخطاب إلى منطق النتائج الملموسة.
فالشباب لا يبحثون فقط عن تطبيقات رقمية أو برامج ثقافية، بل عن سياسات قادرة على تحسين شروط العيش وفتح آفاق حقيقية للمستقبل.
وعندما تنجح السياسات العمومية في تحقيق هذا التحول، يمكن للسياسة أن تستعيد جاذبيتها لدى جيل لم يعد يكتفي بالشعارات، بل ينتظر أثراً واضحاً في حياته اليومية.
