اهتز الرأي العام المحلي والوطني أمس الجمعة على وقع حادثة إنسانية صادمة بمدينة خنيفرة، بعدما وجدت امرأة حامل نفسها مضطرة لوضع جنينها في الشارع العام بالقرب من المستشفى الإقليمي، في مشهد مؤلم وثقته مقاطع فيديو انتشرت على نطاق واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
الواقعة التي انتهت بوفاة المولود أعادت إلى الواجهة نقاشاً حاداً حول واقع الخدمات الصحية في عدد من المناطق الداخلية، كما طرحت أسئلة ثقيلة حول مدى قدرة المنظومة الصحية على ضمان الحق في العلاج والولادة الآمنة، خاصة بالنسبة للفئات الاجتماعية الهشة.
المشهد الذي انتشر عبر الفيديو كان كافياً ليفجر موجة واسعة من الغضب والتعاطف؛ رصيف قرب مقهى يتحول فجأة إلى ما يشبه “غرفة ولادة” بديلة، بعد أن غادرت السيدة المستشفى عقب مطالبتها بأداء رسوم الفحص الطبي، في وقت كانت تعاني فيه آلام المخاض.
وبين أسوار المستشفى والشارع، تحولت دقائق قليلة إلى مأساة إنسانية انتهت بخروج الجنين إلى الحياة في ظروف غير آمنة، قبل أن يفارق الحياة وسط ذهول المارة.
تفاصيل الواقعة، كما جرى تداولها، أعادت طرح أسئلة مقلقة حول طريقة تدبير الخدمات الصحية الأساسية، خاصة في الحالات المستعجلة التي يفترض أن تكون الأولوية فيها لإنقاذ الحياة قبل أي إجراء إداري.
فحين يجد مواطن نفسه مضطراً لمواجهة آلام المخاض خارج أسوار المستشفى، يصبح السؤال أكبر من حادث فردي، ويتحول إلى نقاش حول العلاقة بين المساطر الإدارية وحق المواطنين في الولوج الفوري إلى العلاج.
فاجعة خنيفرة أعادت أيضاً إلى الواجهة مفارقة صعبة يعيشها قطاع الصحة في المغرب. ففي الوقت الذي تتحدث فيه الخطابات الرسمية عن تقدم ورش تعميم الحماية الاجتماعية وإصلاح المنظومة الصحية، تكشف مثل هذه الحوادث عن واقع أكثر تعقيداً داخل بعض المؤسسات الصحية، حيث ما تزال المساطر الإدارية، ونقص الموارد البشرية، وضعف التجهيزات في عدد من المستشفيات الإقليمية، عوامل قادرة على تحويل لحظة علاج إلى مأساة إنسانية.
انتشار الفيديو الذي وثق لحظات الولادة في الشارع منح القضية بعداً وطنياً، بعدما تحول إلى مادة صادمة للرأي العام.
فالمشهد لم يكن مجرد واقعة محلية، بل لحظة مواجهة مباشرة بين صورة النظام الصحي كما تقدمها التقارير الرسمية، وصورة أخرى أكثر قسوة التقطتها كاميرا هاتف في شارع بمدينة خنيفرة.
وبين هاتين الصورتين، يجد المواطن نفسه أمام سؤال بسيط لكنه عميق: هل وصلت إصلاحات الصحة فعلاً إلى كل المستشفيات، أم أن جزءاً من المغرب ما يزال ينتظر نصيبه من هذا الإصلاح؟
القضية تتجاوز حدود حادثة فردية لتعيد طرح سؤال أوسع حول واقع الصحة في عدد من المناطق الجبلية والداخلية، حيث تعاني المؤسسات الصحية من ضغط كبير ونقص في الموارد البشرية والتجهيزات، وهو ما يجعل أي خلل إداري أو تقدير طبي خاطئ يتحول بسرعة إلى مأساة إنسانية.
فاجعة خنيفرة، بكل ما حملته من ألم وغضب، تضع سؤالاً صريحاً أمام السياسات الصحية في المغرب: كيف يمكن ترجمة شعارات الحماية الاجتماعية إلى واقع ملموس داخل المستشفيات، حتى لا يجد أي مواطن نفسه يوماً مضطراً لمواجهة لحظة الحياة أو الموت فوق إسفلت الشارع؟
