تحول نقاش تشريعي داخل لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، أمس الثلاثاء، إلى لحظة سياسية كاشفة أعادت طرح سؤال الشرعية خارج اختزالها العددي.
السجال الذي جمع وزير الشباب والثقافة والتواصل محمد مهدي بنسعيد والبرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي فاطمة التامني، على هامش مناقشة مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، لم يكن مجرد اختلاف في تقدير نص قانوني، بل عكس توتراً أعمق بين منطقين متقابلين: منطق يستند إلى شرعية الصندوق كمرجعية نهائية، وآخر يربط هذه الشرعية بسلامة شروط إنتاجها ونزاهة مساراتها.
المواجهة لم تتوقف عند حدود النص، بل امتدت إلى جوهر مفهوم “التمثيلية الشعبية”.
إحالة الوزير على الاستحقاقات المقبلة كفيصل ديمقراطي قوبلت بتعقيب مباشر من التامني، التي نقلت النقاش من نتائج صناديق الاقتراع إلى شروط إنتاجها، معتبرة أن الأرقام لا تمنح الشرعية الكاملة إذا كانت البيئة الانتخابية نفسها محل تساؤل.
وفي تصريح لموقع آشكاين، شددت التامني على أن “بناء التمثيلية الشعبية على نتائج صناديق الاقتراع يظل مشروطاً بنزاهة الانتخابات وشفافيتها وعدم استعمال الأموال وشراء الذمم”، مضيفة أن التوقف عن تزكية أسماء مرتبطة بأنشطة غير مشروعة أصبح ضرورة سياسية وأخلاقية.
هذا الطرح يعيد فتح ملف حساس داخل الحقل الحزبي، يتعلق بمسار التزكيات وحدود تأثير المال في رسم الخريطة الانتخابية.
فحين تتحول التزكية إلى بوابة مغلقة تتحكم فيها موازين النفوذ، تفقد الانتخابات جزءاً من معناها، وتصبح المنافسة مجرد محطة أخيرة في مسار يُحسم قبل الوصول إلى صناديق الاقتراع.
اعتماد مشروع القانون رقم 09.26 داخل اللجنة بالأغلبية (12 صوتاً مقابل 7) لم يُنهِ الجدل، بل عزز الإحساس بأن “سلطة الرقم” لا تقتصر على حسم النتائج، بل تمتد إلى تمرير اختيارات تشريعية كبرى دون الحاجة إلى توافق أوسع، حتى في قطاعات حساسة كالإعلام.
السجال الذي دار داخل اللجنة لم يكن حدثاً معزولاً، بل مؤشر على توتر أعمق داخل المشهد السياسي، بين من يراهن على الزمن الانتخابي كحكم نهائي، ومن يدعو إلى إعادة النظر في قواعد إنتاج هذا الحكم.
وبين هذين المنطقين، تبرز الحاجة إلى تعزيز الثقة في العملية السياسية، عبر ضمان شروط تنافس متكافئة تعكس فعلاً إرادة الناخبين وتحافظ على مصداقية المؤسسات.
