لم يعد مشروع قانون تنظيم مهنة العدول مجرد تفصيل تقني يهم مساطر التوثيق، بل تحول إلى نقطة تقاطع حساسة بين المرجعية الدينية ومتطلبات التشريع الحديث.
ففي قلب الجدل الدائر حول “شهادة المرأة” داخل نظام اللفيف، يبرز نقاش أعمق يتعلق بحدود الاجتهاد القانوني داخل بيئة فقهية يؤطرها المذهب المالكي.
كشفت مصادر إعلامية أن النقاش البرلماني حول المشروع تجاوز حدود الصياغة إلى جوهر التأويل، خاصة مع استحضار قوله تعالى:
“فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ…” (سورة البقرة، الآية 282)،
وهي آية ارتبطت بسياق توثيق الديون والمعاملات المالية، لكنها ظلت مرجعاً مركزياً في نقاشات الشهادة داخل الفقه الإسلامي، مع اختلاف في مدى تعميم دلالتها خارج هذا السياق.
في هذا الإطار، اختار وزير العدل الدفاع عن مقاربة تقوم على الاجتهاد ومواكبة التحولات، حيث قال في تصريح لجريدة العمق المغربي:
“يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم.. يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية..”
وهو حديث نبوي استحضره في سياق الرد على ما اعتبره قراءات متشددة للنصوص، مؤكداً أن النقاش لا يتعلق برفض المرجعية، بل بكيفية تنزيلها ضمن سياق قانوني متغير.
وأضاف الوزير أن جوهر الإشكال يتمحور حول صياغة “12 شاهداً ذكوراً وإناثاً”، موضحاً أن الغاية منها ليست فرض تأويل واحد، بل فتح المجال أمام اجتهاد يضمن مرونة التطبيق ويستحضر تطور المجتمع، مشيراً إلى أن القضاء المغربي بدأ بالفعل في قبول شهادة المرأة بشكل مستقل في بعض الحالات.
غير أن هذه المقاربة تطرح أكثر من علامة استفهام؛ فكيف يمكن التوفيق بين اجتهاد قانوني يسعى إلى توسيع دائرة الإثبات، وبين مرجعية فقهية استقر جزء كبير منها، خاصة في المذهب المالكي، على شروط محددة في باب الشهادة؟ وهل نحن أمام قراءة مقاصدية للنصوص، أم محاولة لصياغة توافق داخل نص قانوني قابل لتعدد التأويلات؟
المفارقة تتجلى أيضاً في استمرار العمل بنظام “اللفيف”، القائم على 12 شاهداً، في زمن الرقمنة وتطور وسائل الإثبات.
إذ يرى عدد من المتتبعين أن هذا النظام، رغم جذوره التاريخية، أصبح يطرح إشكالات عملية، سواء من حيث صعوبة تجميع الشهود، أو من حيث موثوقية الشهادة في ظل تحولات اجتماعية عميقة.
وفي هذا الإطار، تبدو صيغة “ذكوراً وإناثاً” محاولة للتوازن أكثر منها حسماً للنقاش، حيث تفتح الباب أمام قراءات متعددة قد تختلف باختلاف المحاكم والاجتهادات القضائية، مما يكرس نوعاً من الضبابية القانونية بدل توحيد الرؤية.
هذا الجدل لا يتعلق فقط بمسألة فقهية أو تقنية، بل يعكس لحظة مفصلية في مسار التشريع المغربي؛ لحظة تبحث فيها الدولة عن صيغة توفيقية بين نص ديني مؤسس، واجتهاد قانوني يسعى لمواكبة مجتمع يتغير بوتيرة متسارعة، وسط توازن دقيق بين المرجعية والتحديث.
