لم تعد الجامعة اليوم الفضاء الوحيد الذي تُنتج فيه المعرفة. فمع صعود المنصات الرقمية، انتقل عدد متزايد من الأكاديميين من قاعات الدرس إلى كاميرات اليوتيوب في محاولة للاقتراب من الجمهور الواسع وكسر عزلة المعرفة داخل أسوار الجامعة.
في الظاهر يبدو هذا التحول ديمقراطياً ومحموداً، لكنه في العمق يطرح إشكالاً حقيقياً: ماذا يحدث للمنهج العلمي عندما يدخل إلى فضاء تحكمه الخوارزميات؟
المشكلة ليست في حضور الأكاديمي في الفضاء الرقمي، بل في التحول الذي قد يطرأ على طبيعة الخطاب نفسه.
فالتحليل الأكاديمي بطبيعته بطيء ومتأنٍ، قائم على الشك والتدقيق والمراجعة المستمرة، بينما يقوم منطق المنصات الرقمية على الإيقاع السريع والجمل الحاسمة التي تجذب الانتباه وتغذي خوارزميات الانتشار.
وعندما يصبح عدد المشاهدات معيار النجاح، تتحول الخوارزميات تدريجياً إلى حكم خفي يحدد ما الذي يُسمع وما الذي يختفي في ضجيج المنصة.
في هذه اللحظة تحديداً تبدأ المسافة النقدية في التآكل. فالأكاديمي الذي اعتاد العمل في بيئة علمية باردة، حيث تُختبر الفرضيات ببطء وتُراجع الأفكار قبل إعلانها، يجد نفسه داخل فضاء يطلب منه إجابات فورية ويقيناً قاطعاً.
وهنا يظهر الإغراء الكبير: تبسيط العالم إلى سرديات سهلة وسريعة الهضم، وتقديم الجغرافيا السياسية المعقدة وكأنها لعبة يمكن فك ألغازها من خلف شاشة.
لكن الواقع الدولي أكثر تعقيداً بكثير من هذه الصورة المبسطة. فالصراعات الدولية لا تُفهم عبر سيناريوهات حتمية ولا عبر تنبؤات قاطعة، بل عبر قراءة متأنية لتشابك المصالح وتعدد الفاعلين وتغير موازين القوى.
وعندما تختزل هذه التعقيدات في تحليلات سريعة مصممة لإرضاء إيقاع المنصة، لا يكمن الخطر الحقيقي في الخطأ التحليلي ذاته، بل في تحول المعرفة تدريجياً إلى عرض إعلامي يخضع لمنطق الانتشار أكثر مما يخضع لقواعد البحث العلمي.
في هذا السياق تنشأ ظاهرة يمكن وصفها بـ“البروباغندا المثقفة”، حيث يرتدي الخطاب الإعلامي لباس المصطلح الأكاديمي، بينما يتحرك في العمق وفق منطق الجمهور والخوارزميات.
فاللقب الجامعي يمنح المتحدث سلطة رمزية كبيرة، والجمهور يتعامل مع ما يسمعه بوصفه معرفة موثوقة، حتى عندما يكون أقرب إلى تعليق سياسي سريع منه إلى تحليل علمي متأنٍ.
المفارقة أن هذه الظاهرة لا تتعلق بأفراد بعينهم بقدر ما تعكس تحولات أعمق في علاقة المعرفة بالإعلام.
فنحن نعيش لحظة تاريخية انتقلت فيها الأفكار من بطء المكتبات إلى سرعة المنصات، ومن زمن المقالات الطويلة إلى زمن الفيديوهات القصيرة التي تبحث عن الانتباه قبل البحث عن الفهم.
وبين هذين العالمين تقف العلوم الاجتماعية أمام اختبار صعب: الحفاظ على صرامتها المنهجية في فضاء تحكمه السرعة وتغذيه الخوارزميات.
إن حضور الأكاديميين في الفضاء الرقمي ليس المشكلة في حد ذاته، لكن التحدي الحقيقي يكمن في نقل المعرفة إلى هذا الفضاء دون أن تفقد روحها النقدية ومنهجها الصارم.
فالفارق بين من يحلل ليفهم، ومن يتكلم ليُشاهَد، قد يبدو بسيطاً في الظاهر… لكنه في الحقيقة الفارق العميق بين العلم والعرض.
