بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن حضور وزير التربية الوطنية، محمد سعد برادة، اليوم الأربعاء، في المنتدى الوطني للمدرس مجرد محطة تواصلية عادية، بل بدا أقرب إلى محاولة لإعادة ضخ نفس جديد في منظومة أنهكتها سنوات من التوترات والنقاشات المتواصلة.
لقد اختار الوزير لغة قريبة من البعد الإنساني للمهنة، مستحضراً مكانة الأستاذ وأدواره التربوية، غير أن هذا التوجه يطرح سؤالاً هادئاً: هل يمكن لهذا الخطاب أن يواكب حجم الانتظارات داخل المدرسة العمومية؟
كشفت مصادر إعلامية أن هذا التحول في النبرة يأتي في سياق تنزيل خريطة الطريق لإصلاح التعليم، حيث يتزايد التركيز على إعادة الاعتبار للعنصر البشري داخل المنظومة.
غير أن لجوء الخطاب الرسمي إلى مفردات “الاعتراف والتقدير” يضعنا أمام احتمالين؛ إما أننا أمام تحول تدريجي نحو إعادة تموقع الأستاذ في قلب الإصلاح، أو أننا بصدد لحظة تواصلية تسعى إلى تهدئة الأجواء ومواكبة هذا الورش في ظروف أكثر استقراراً.
غير أن الواقع داخل عدد من المؤسسات التعليمية يكشف، في المقابل، عن تحديات يومية لا يمكن تجاهلها، من قبيل الاكتظاظ، وتفاوت الإمكانيات، وضغط المهام وهي معطيات تجعل من أي إصلاح رهيناً بمدى قدرته على ملامسة هذه التفاصيل الدقيقة.
فالحديث عن “الأستاذ الملهم” يظل رهيناً بتوفير الشروط التي تمكنه فعلياً من أداء أدواره في بيئة مهنية مستقرة ومحفزة.
وفي هذا السياق، يبدو أن التركيز على البعد الإنساني للمهنة، رغم أهميته، يحتاج إلى استكماله بمقاربة أكثر شمولية، توازن بين التقدير الرمزي والتمكين الفعلي.
إذ لا يمكن تحقيق تحول مستدام في جودة التعلمات دون الاستثمار في العنصر البشري، ليس فقط عبر الخطاب، بل من خلال سياسات واضحة تستجيب لانتظارات الفاعلين التربويين.
كما أن استحضار التوجيهات الملكية المرتبطة بالاهتمام بالعنصر البشري يمنح هذا التوجه بعداً استراتيجياً، يؤكد أن إصلاح التعليم لم يعد مجرد ورش قطاعي، بل خياراً مجتمعياً يرتبط بإعداد أجيال قادرة على مواجهة تحديات المستقبل.
إن المسافة بين ما يُقال في فضاءات النقاش وما يُعاش داخل الفصول الدراسية تظل المؤشر الأصدق على نجاعة أي إصلاح. فالثقة في المنظومة التعليمية لا تُبنى فقط عبر التعبير عن التقدير، بل تتعزز حين يلمس الأستاذ أثراً إيجابياً على مستوى مساره المهني وظروف اشتغاله.
وفي انتظار ذلك، يظل المنتدى الوطني للمدرس محطة مهمة لتبادل التجارب وتثمين الجهود، لكنه في الآن نفسه يطرح سؤال الاستمرارية: كيف يمكن تحويل هذه اللحظة التواصلية إلى دينامية إصلاحية دائمة، تتجاوز حدود المنصات، وتصل فعلياً إلى قلب القسم، حيث يبدأ التغيير الحقيقي؟
