بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد “الاختلالات” التي ترصدها تقارير المفتشية العامة لوزارة الداخلية مجرد “أخطاء إدارية” يمكن معالجتها بتكوين مستمر أو مذكرة توجيهية؛ نحن اليوم أمام ممارسات تدبيرية تطرح أسئلة جدية حول حدود الالتزام بالقانون، وحول مدى تأثير الحسابات السياسية على القرار المالي المحلي.
فالمعطيات المتداولة، كما أوردتها مصادر إعلامية من بينها هسبريس، حول “تجميد” مساطر التحصيل وتراكم الديون بذمة بعض الملزمين، توحي بوجود اختلال في تفعيل القواعد الجبائية، حيث يصبح تأجيل الاستخلاص في بعض الحالات أقرب إلى منطق التدبير الانتخابي منه إلى منطق الحكامة المالية.
إن التغاضي عن استخلاص رسوم استغلال الملك العمومي أو الضرائب المهنية في بعض الحالات لا يمكن تفسيره فقط بعوامل تقنية، بل يثير تساؤلات حول تغليب اعتبارات انتخابية على مبدأ المساواة أمام القانون، بما قد يحول الجماعة من مؤسسة لتدبير الشأن العام إلى مجال تتداخل فيه المصالح والتوازنات.
وهو ما ينعكس بشكل مباشر على مبدأ العدالة الجبائية، ويغذي شعوراً متزايداً بعدم الإنصاف؛ فبأي منطق يمكن إقناع المواطن الملتزم بأداء ما بذمته، بينما تبدو مساطر الاستخلاص أقل صرامة في حالات أخرى؟
وفي هذا السياق، تبرز زاوية غالباً ما تبقى خارج النقاش، وتتعلق بوضعية الموظفين المكلفين بعمليات التحصيل داخل الجماعات، والذين يجدون أنفسهم في موقع حساس بين مقتضيات القانون وتوازنات الواقع المحلي.
فوفق معطيات مهنية، يواجه بعض هؤلاء ضغوطاً غير مباشرة قد تؤثر على وتيرة تفعيل المساطر، ما يجعل الإدارة، في بعض الحالات، أقرب إلى التكيّف مع القرار السياسي منه إلى التطبيق الصارم للنصوص التنظيمية.
وهو وضع يطرح إشكال حماية الموظف العمومي وضمان استقلالية القرار الإداري في المجال المالي.
ولا يقف أثر ضعف تعبئة الموارد عند حدود السنة المالية الجارية، بل يمتد إلى ما يُعرف بـ”الباقي استخلاصه”، حيث تتراكم الديون سنة بعد أخرى دون تحصيل فعلي.
ومع مرور الزمن، تتحول هذه المستحقات إلى عبء محاسباتي يصعب استرجاعه عملياً، لتفقد الجماعات جزءاً من مواردها بشكل شبه نهائي.
وهو ما يطرح إشكال النجاعة الزمنية في تدبير الجباية المحلية، وليس فقط إشكال التحصيل في حد ذاته.
كما تكشف المقارنة بين جماعات نجحت في تحسين مداخيلها عبر الرقمنة وتفعيل آليات المراقبة، وأخرى لا تزال مترددة في هذا المسار، أن الإشكال لا يرتبط فقط بالإمكانيات، بل أيضاً بطبيعة الاختيارات التدبيرية المعتمدة.
فتبني أدوات الشفافية لا يعزز فقط الموارد، بل يحد أيضاً من هامش التقدير غير المعلن في تدبير مساطر التحصيل.
وفي موازاة ذلك، يطفو على السطح سؤال دور سلطات الرقابة الترابية، خاصة على مستوى العمالات والأقاليم، في التدخل الاستباقي لرصد هذه الاختلالات قبل تفاقمها.
فهل تظل آليات المراقبة الحالية كافية في صيغتها التقليدية، أم أن المرحلة تقتضي تطوير أدوات أكثر آنية وفعالية، تواكب تدبير الموارد بشكل مستمر بدل الاكتفاء بتقارير لاحقة تكشف الاختلال بعد وقوعه؟
إن الحديث عن إجراءات العزل، رغم أهميته، يظل جزءاً من المعالجة، ولا يختزل الإشكال في عمقه.
فالتحدي الحقيقي يكمن في تعزيز آليات الحكامة المالية، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ليس فقط على مستوى التدبير الإداري، بل أيضاً من حيث أثر القرارات المتخذة على مالية الجماعات.
إذ إن تفويت موارد مهمة، مهما كانت مبرراته، ينعكس مباشرة على القدرة الاستثمارية للجماعات وعلى جودة الخدمات المقدمة للساكنة.
تكشف هذه المعطيات عن مفارقة واضحة: جماعات تتوفر على إمكانيات قانونية وتقنية لتحسين مواردها، لكنها لا تستثمرها بالشكل الكافي، مقابل أخرى اختارت مسار التحديث والصرامة في التحصيل.
وبين هذا وذاك، يظل الرهان قائماً على بناء نموذج تدبيري يوازن بين البعد الاجتماعي والالتزام الصارم بالقانون، دون أن تتحول الجباية إلى متغير خاضع للحسابات الظرفية.
“فالرهان لم يعد فقط في تعبئة الموارد، بل في تحريرها من منطق الانتقائية… لأن الجباية التي لا تُطبَّق على الجميع، تفقد معناها قبل أن تفقد مردودها.”
