بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد النقاش حول “الساعة الإضافية” (GMT+1) مجرد اختلاف في تدبير الزمن، بل تحول إلى سؤال اجتماعي وسيادي في آن واحد، يكشف عن مفارقة عميقة بين منطق القرار المركزي وواقع العيش اليومي لفئات واسعة من المغاربة، خاصة في العالم القروي.
فهذا الإجراء، الذي يُقدَّم كضرورة اقتصادية لمواكبة الإيقاع الأوروبي، يثير تساؤلات متزايدة حول ما إذا كان يعكس اختياراً منسجماً مع الخصوصيات المحلية، أم امتداداً لمنطق المزامنة مع الخارج.
في هذا السياق، يبدو أن هذا التوقيت، الذي يُسوَّق له كآلية لتحسين الأداء الاقتصادي، يتحول على أرض الواقع إلى كلفة اجتماعية تتحملها فئات محددة.
ففي حين تستفيد منه بعض القطاعات المرتبطة بالمبادلات الدولية، تجد الأسر القروية نفسها أمام تحديات يومية مرتبطة بخروج الأطفال في ساعات مبكرة من الصباح، في ظروف طبيعية قاسية، ووسط محدودية وسائل النقل.
في هذا السياق، أثارت البرلمانية فاطمة الزهراء الثامني، عن حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، هذا النقاش من خلال تدوينة نشرتها على صفحتها الرسمية، انتقدت فيها تداعيات “الساعة الإضافية”، معتبرة أنها لا تحقق الأثر الاقتصادي الملموس، مقابل انعكاسات اجتماعية متزايدة.
وجاء في تدوينتها: “السيد رئيس الحكومة، والسيد الوزير، ما سُمّي بـ‘مدارس الريادة’… وأي ريادة هذه؟
الساعة الإضافية ليست إصلاحاً، بل قرار يزيد التفاوت، ويعاقب القرى، ويعمّق الأزمة.
هل تعلمان أن أسرًا كثيرة في المناطق القروية بدأت تُوقِف أبناءها عن الدراسة بسبب ‘الساعة الإضافية’؟
أطفال يقطعون كيلومترات في الظلام، في البرد والخوف، ووسائل نقل شبه منعدمة، وأسر فقيرة لا تملك رفاهية المخاطرة بسلامة أبنائها، فتكون النتيجة واضحة: انقطاع عن الدراسة وهدر مدرسي متزايد.
تقولون إن ‘الساعة الإضافية’ لها أثر اقتصادي… لكن المواطن لم يرَ أي أثر على جيبه ولا على معيشته.
أما الأثر الحقيقي الذي يراه يومياً فهو التعب، الفوضى، وتغذية الهدر المدرسي.
إذا كانت سياساتكم ‘تربح الاقتصاد’ وهذا غير ملموس فهي تُسقط أبناء الفقراء من حقهم في التعليم وفي تكافؤ الفرص… فأي اقتصاد هذا؟
وأي إصلاح هذا الذي يبدأ بتدمير حق الأطفال في التعليم؟
هذا فقط عنصر من بين أخرى من مساوئ الساعة المشؤومة.”
هذا الطرح يفتح الباب أمام إشكالية أوسع تتعلق بما يمكن تسميته بـ“السيادة الزمنية”: هل يملك المغرب قراره في هذا المجال بشكل كامل، أم أن اختياراته تُبنى أساساً على منطق المزامنة مع الخارج، حتى وإن تعارض ذلك مع الإيقاع الطبيعي والاجتماعي الداخلي؟ فحين يُطلب من طفل في قرية جبلية الاستيقاظ قبل شروق الشمس بساعات، فإن الأمر لا يتعلق فقط بتنظيم الوقت، بل بتأثيرات محتملة على توازنه البيولوجي وقدرته على التركيز والتحصيل، وهي معطيات تناولتها دراسات علمية مرتبطة بإيقاع النوم والنمو لدى الأطفال.
وفي مقابل الخطاب الرسمي، يبرز أيضاً غياب معطيات رقمية دقيقة تتيح تقييم هذا الخيار بشكل موضوعي.
فإلى حدود الساعة، لا توجد حصيلة مفصلة توضح حجم المكاسب الاقتصادية المحققة، مقارنة بالكلفة الاجتماعية المحتملة، سواء من حيث الهدر المدرسي أو الضغط اليومي على الأسر، وهو ما يجعل النقاش يدور في كثير من الأحيان في إطار تقديرات عامة أكثر منه تقييمات مبنية على مؤشرات واضحة.
إن ما يُقدَّم كخيار تقني أو اقتصادي، قد يتحول في الواقع إلى كلفة غير متكافئة تتحملها فئات دون غيرها، في سياق يعكس، في بعض جوانبه، رؤية تركز على منطق المراكز الحضرية أكثر من استحضار تعقيدات المجال القروي.
وهنا يبرز بوضوح ما يمكن وصفه بـ“مغرب السرعتين”؛ مغرب يستفيد من إيقاع اقتصادي متصل بالخارج، ومغرب آخر يواجه كلفة اجتماعية يومية في صمت.
وبين متطلبات الاقتصاد وحقوق الفئات الهشة، يظل التحدي الحقيقي هو بناء توازن فعلي لا يجعل من بعض السياسات عاملاً إضافياً في تعميق الفوارق، بل مدخلاً لتقليصها وضمان حد أدنى من الإنصاف في الولوج إلى التعليم وظروف التمدرس.
