بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد خافياً أن مشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، الذي يقوده وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسعيد، يتجاوز كونه مجرد استجابة تقنية لقرار المحكمة الدستورية، ليطرح ملامح مرحلة جديدة في تدبير الحقل الإعلامي بالمغرب.
فنحن أمام تصور يعيد، بشكل واضح، ترتيب العلاقة بين “التنظيم الذاتي” و”التأطير المؤسساتي”، في سياق يبدو أنه يتجه نحو مزيد من الضبط المنظم للممارسة المهنية.
كشفت مصادر إعلامية أن اعتماد “القاسم الانتخابي” لا يُقدَّم فقط كآلية لتوسيع التمثيلية، بل يفتح أيضاً نقاشاً مهنياً حول أثره المحتمل على توازن القوى داخل الجسم الصحفي.
فبينما يرى فيه البعض مدخلاً لكسر هيمنة الفاعلين الكبار، يعتبر متتبعون أنه قد يؤدي، في المقابل، إلى إنتاج تمثيلية أكثر تشتتاً، وهو ما قد ينعكس على قوة التفاوض الجماعي داخل القطاع.
فمجلس يتشكل من فسيفساء مهنية متعددة، قد يجد صعوبة في بلورة مواقف موحدة وقوية، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرته على التعبير بصوت مهني جامع في القضايا الكبرى.
وفي السياق ذاته، تعكس الهندسة الجديدة للمجلس، القائمة على توزيع متوازن بين الصحفيين والناشرين، مع إدماج أعضاء من مؤسسات دستورية وحقوقية، توجهاً نحو صيغة تجمع بين الشرعية المهنية والإسناد المؤسساتي.
غير أن هذا التوجه يثير، في المقابل، تساؤلات حول حدود استقلالية القرار المهني، وإمكانية الحفاظ على روح التنظيم الذاتي في ظل هذا الحضور المؤسساتي المتزايد.
كما أن إدراج مقتضيات تهم تمثيلية النساء داخل الهيئات المهنية يعكس تحوّلاً في مقاربة توزيع السلطة داخل القطاع، غير أن الرهان الحقيقي يظل مرتبطاً بمدى ترجمة هذه المقتضيات إلى ممارسات فعلية داخل التوازنات الانتخابية، بعيداً عن الطابع الرمزي للنصوص.
وعلى مستوى الحكامة، يشكل الفصل بين هيئات التأديب والاستئناف خطوة مهمة نحو تعزيز ضمانات العدالة داخل المجلس، غير أن هذا التطور يمكن قراءته أيضاً كجزء من مسار أوسع يسعى إلى تأطير الممارسة المهنية ضمن قواعد أكثر دقة وصرامة، بما يعيد تعريف حدود المسؤولية داخل القطاع.
غير أن النقطة الأكثر إثارة للنقاش تظل مرتبطة بإحداث “لجنة انتقالية” بصلاحيات واسعة، تُوكل إليها مهمة الإشراف على المرحلة القادمة.
فتركيبة هذه اللجنة، التي تجمع بين التعيين والخبرة المؤسساتية، تعكس حرصاً على تأمين انتقال منظم، لكنها تطرح، في الآن ذاته، أسئلة حول طبيعة هذا الانتقال، وحدود تأثيره على مخرجات المرحلة الجديدة.
ويزداد هذا النقاش أهمية في ظل غياب توضيحات دقيقة حول الجوانب المالية والتدبيرية لهذه المرحلة، خاصة ما يتعلق بمصادر التمويل وآليات تدبير الموارد اللوجستية، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول مدى استقلالية القرار العملي للمجلس خلال هذه الفترة.
لا يبدو أن مشروع بنسعيد يعيد فقط تنظيم المجلس الوطني للصحافة، بل يساهم في إعادة رسم قواعد اللعبة داخل الحقل الإعلامي، عبر صياغة توازنات جديدة بين التمثيلية والتأطير، وبين الاستقلال المهني والحضور المؤسساتي.
وبين من يعتبره خطوة نحو تحديث آليات التنظيم، ومن يرى فيه مدخلاً لإعادة ترتيب المجال وفق قواعد أكثر ضبطاً، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: هل نحن أمام عملية “تحديث” للمهنة، أم أمام عملية “ترويض” ناعمة لآخر قلاع التنظيم الذاتي في المغرب؟
