بقلم: الباز عبدالإله
في سياق يتسم بارتفاع حاد في أسعار الطاقة عالمياً، اختارت الحكومة المغربية تفعيل حزمة من الإجراءات الاستعجالية بهدف الحد من تأثير هذه التقلبات على القدرة الشرائية.
وقد أكد الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، فوزي لقجع، في الندوة الصحفية التي أعقبت أشغال المجلس الحكومي، اليوم الخميس، أن هذه الإجراءات تأتي في إطار “محاولة الحفاظ ما أمكن على القدرة الشرائية للمواطنين”، مشيراً إلى أن تأثير ارتفاع أسعار الطاقة لا يرتبط فقط بالمواد الطاقية، بل يمتد إلى النقل وسلاسل التوريد ومختلف الأنشطة الاقتصادية.
وبلغة الأرقام، أوضح المسؤول الحكومي أن أسعار النفط ارتفعت خلال شهر مارس بحوالي 44 في المئة لتبلغ في المتوسط 100 دولار للبرميل، بعدما كانت في حدود 70 دولاراً قبل الأزمة، فيما سجل الكازوال ارتفاعاً بـ75 في المئة، والغاز الطبيعي بـ54 في المئة، والفيول بـ60 في المئة، إضافة إلى الفحم بـ21 في المئة، وهي كلها مدخلات أساسية في إنتاج الطاقة الكهربائية بالمغرب.
وفي مواجهة هذه الوضعية، قررت الدولة الحفاظ على سعر غاز البوتان، حيث تتحمل حوالي 78 درهماً عن كل قنينة من فئة 12 كيلوغرام، مقابل 30 درهماً فقط قبل الأزمة، ما يرفع كلفة هذا الإجراء إلى نحو 600 مليون درهم شهرياً.
كما تم تثبيت أسعار الكهرباء رغم ارتفاع كلفة الإنتاج، بكلفة إضافية تناهز 400 مليون درهم شهرياً.
أما بخصوص قطاع النقل، فقد أُقر دعم مباشر لفائدة المهنيين يصل إلى 3 دراهم عن كل لتر من الغازوال أو البنزين، وذلك خلال الفترة الممتدة من 15 مارس إلى 15 أبريل، بكلفة شهرية تُقدّر بحوالي 648 مليون درهم، في محاولة لضمان استمرارية النشاط والحفاظ على استقرار الأسعار.
غير أن هذه المعطيات، رغم أهميتها، تفتح نقاشاً موازياً حول الصورة الكاملة للتوازنات المالية المرتبطة بهذه الإجراءات.
فبالتوازي مع ارتفاع كلفة الدعم، تسجل المالية العمومية مداخيل إضافية مرتبطة بارتفاع الأسعار، خاصة من خلال الضريبة على القيمة المضافة والضريبة الداخلية على الاستهلاك المفروضة على المحروقات، والتي ترتفع قيمتها الإجمالية مع ارتفاع سعر البيع.
وبذلك، لا يقتصر أثر التضخم على كلفة المعيشة، بل يمتد أيضاً ليغذي المداخيل الجبائية بشكل غير مباشر.
وفي هذا السياق، يبرز ما يسميه بعض الاقتصاديين بـ”الضريبة المستترة”، حيث يؤدي ارتفاع الأسعار إلى تضخم المداخيل الاسمية للدولة، ما يسهل، في المقابل، تدبير جزء من التزاماتها المالية، بما فيها الدين الداخلي، في ظل تراجع القيمة الشرائية للعملة. وهي آلية معروفة في الأدبيات الاقتصادية، لكنها تطرح تساؤلات حول أثرها الاجتماعي، خاصة عندما تتقاطع مع ارتفاع كلفة العيش.
كما يطرح النقاش زاوية أخرى تتعلق بطبيعة الجباية مقارنة بوجهة الدعم؛ فالضرائب على الاستهلاك، خصوصاً المرتبطة بالمحروقات والمواد الأساسية، تظل ذات طابع عام، يؤديها مختلف المواطنين بشكل شبه موحد، في حين يتجه الدعم، في جزء منه، نحو مهنيين وقطاعات تعتمد بشكل مكثف على الطاقة.
وهو ما يفتح نقاشاً حول مدى توازن هذه المعادلة، وحدود انعكاسها الفعلي على المستهلك النهائي.
ومن جهة أخرى، يظل أثر دعم النقل على أسعار السلع والخدمات رهيناً بفعالية آليات التتبع والمراقبة داخل السوق، حيث يستمر النقاش حول مدى انتقال هذا الدعم إلى أثمنة المنتجات الأساسية، في ظل تعدد الوسطاء وتعقيد سلاسل التوزيع.
فغياب مؤشرات دقيقة لقياس هذا الأثر يجعل من الصعب الجزم بمدى تحقيق الهدف الاجتماعي المرجو.
غير أن التدقيق في هذه “الهندسة المالية” يكشف عن مفارقة بنيوية؛ فبينما تعتمد المداخيل الجبائية للدولة بشكل ملحوظ على الضرائب غير المباشرة التي يتحملها المستهلك بشكل واسع، يتجه جزء من الدعم نحو حلقات الوساطة دون آليات تعاقدية واضحة تضمن انعكاسه المباشر على الأسعار.
وهو ما يطرح تساؤلاً حول طبيعة هذا التوازن: هل نحن أمام مقاربة تكرس فعلاً أسس الدولة الاجتماعية، أم أمام تدبير مالي معقد يمنح الأولوية لاستقرار المؤشرات الكبرى، في سياق اقتصادي دولي ضاغط؟
تبدو الحكومة أمام معادلة دقيقة تجمع بين ضرورات التخفيف من أثر الأزمة، ومتطلبات الحفاظ على التوازنات المالية.
غير أن التحدي الحقيقي يظل في مدى شعور المواطن بالأثر الفعلي لهذه السياسات في حياته اليومية، وفي قدرة هذه المقاربة على تحقيق توازن ملموس بين حماية القدرة الشرائية وضمان عدالة توزيع الكلفة.
