بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد الزيادات الدورية في أسعار التبغ بالمغرب مجرد تحيين تقني للوائح الأسعار، بل تحولت إلى مؤشر لافت يكشف عن معادلة معقدة تتقاطع فيها التوازنات المالية مع استهلاك واسع الانتشار.
فبموجب القرار الأخير الصادر في الجريدة الرسمية، والذي دخل حيز التنفيذ في فاتح أبريل 2026، طالت الزيادات العلامات الأكثر استهلاكاً، في خطوة تُسوق رسمياً كأداة لردع التدخين، لكنها في العمق تعكس براغماتية واضحة لوزارة الاقتصاد والمالية التي تجد في هذا القطاع مورداً جبائياً مستقراً.
إن هذا التوجه يطرح إشكالية أخلاقية وسياسية حول طبيعة التوازن بين حماية الصحة العامة ومتطلبات تمويل الميزانية؛ فالدولة التي ترفع شعار الوقاية الصحية هي نفسها التي تستفيد من عائدات ضريبة الاستهلاك الداخلي على التبغ، مما يجعل من المدخن مساهمًا منتظماً في موارد الخزينة.
وتزداد هذه المفارقة تعقيداً حين يُستحضر عامل “التهريب”، الذي يُقدَّم غالباً كأحد مبررات عدم اعتماد زيادات حادة قد تكون أكثر ردعاً للاستهلاك.
غير أن هذا المعطى، على أهميته، يطرح تساؤلاً ضمنياً حول حدود استخدامه كعامل توازن، إذ تبدو الزيادات الحالية أقرب إلى تعديلات محسوبة تحافظ على استقرار الطلب، أكثر مما تُحدث صدمة حقيقية في سلوك المستهلك.
وهو ما يجعل السوق النظامية تحتفظ بجاذبيتها، دون أن تفقد الخزينة تدفق مواردها.
تُظهر بنية أسعار السجائر أن الجزء الأكبر من الثمن الذي يدفعه المواطن لا يرتبط فقط بكلفة الإنتاج، بل يتكون أساساً من ضرائب غير مباشرة تجعل من قطاع التبغ أحد الموارد الجبائية الأكثر استقراراً.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح يتعلق بوجهة هذه المداخيل: إلى أي حد يتم ربط عائدات التبغ بسياسات صحية ملموسة، سواء عبر دعم برامج الإقلاع عن التدخين أو تعزيز قدرات علاج الأمراض المرتبطة به؟ إن غياب هذا الربط الواضح يعزز الانطباع بأن المنطق المالي يظل حاضراً بقوة إلى جانب الخطاب الوقائي.
وفي هذا السياق، يبرز ما يمكن وصفه بـ”اعتماد مالي متزايد” على مداخيل التبغ، حيث أصبحت هذه الموارد جزءاً من توازنات الميزانية وهو وضع يطرح إشكالية بنيوية، مفادها أن أي تراجع حاد في عدد المدخنين قد ينعكس، بشكل مباشر أو غير مباشر، على مستوى هذه الموارد، مما يفرض على صانع القرار تدبيراً دقيقاً لهذه المعادلة بين الهدف الصحي والاستقرار المالي.
إن هذه الازدواجية في المقاربة تعكس تعقيد تدبير هذا الملف، حيث يتقاطع خطاب الوقاية الصحية مع منطق الحفاظ على موارد مالية منتظمة.
فالدولة، بحكم معطيات السوق، تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين الحد من الاستهلاك وتفادي آثار جانبية مثل تنامي السوق غير المهيكلة، وهو ما يجعل هذه الزيادات محكومة باعتبارات متعددة تتجاوز البعد الصحي الصرف.
لا يمكن قراءة هذه التحولات بمعزل عن الحاجة إلى موارد سهلة التحصيل.
غير أن تحقيق التوازن يظل رهيناً بمدى إدماج هذه الإجراءات ضمن استراتيجية صحية شاملة، تشمل الوقاية والعلاج والدعم.
فبدون هذا التكامل، قد تُفهم هذه السياسات كآلية مالية تستفيد من استهلاك قائم، أكثر مما تشكل مساراً فعلياً لتقليصه، وهو ما يعيد طرح السؤال الجوهري حول حدود التوازن بين منطق الوقاية ومنطق الجباية.
