بقلم: الباز عبدالإله
لم تكن التساقطات المطرية التي شهدها إقليم تاونات مؤخراً مجرد حدث مناخي عابر، بل تحولت إلى مؤشر ميداني يكشف من جديد حدود البنية التحتية في عدد من المناطق القروية، ويعيد ملف “العدالة المجالية” إلى صلب النقاش العمومي.
فبينما تتحدث البرامج الرسمية عن تقليص الفوارق، أبرزت السيول أن الهوة بين المركز والهامش لا تزال قائمة، وأن بعض الدواوير لا تزال تواجه آثار العزلة كلما اشتدت الظروف الطبيعية.
في هذا السياق، أعاد السؤال الكتابي الذي وجهه المستشار البرلماني خالد السطي، عضو مجلس المستشارين عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، تسليط الضوء على حجم الأضرار التي خلفتها هذه التساقطات، سواء على مستوى الطرق والمسالك القروية أو شبكات الماء والكهرباء، فضلاً عن انعكاساتها المباشرة على الحياة اليومية للسكان، خاصة في المناطق التي وجدت نفسها في وضعية شبه معزولة.
ولم يقتصر مضمون السؤال على توصيف الوضع، بل امتد ليطرح إشكالات عملية تتعلق بمدى جاهزية التدخل العمومي في مثل هذه الحالات، بما في ذلك إمكانية إعلان الإقليم “منطقة منكوبة”، وهو إجراء قانوني يتيح تعبئة موارد استثنائية وتفعيل آليات التضامن الوطني، إلى جانب التساؤل حول طبيعة الإجراءات الاستعجالية لفك العزلة عن الدواوير المتضررة، وبرامج جبر الأضرار وإعادة الإعمار.
إن ما يثير الانتباه في هذه التطورات ليس فقط حجم الخسائر، بل الطابع المتكرر لمثل هذه الأزمات، بما يعكس تحديات بنيوية مرتبطة بضعف البنيات التحتية في بعض المجالات القروية، خاصة تلك التي تتميز بتضاريس صعبة.
وفي ظل تزايد وتيرة الظواهر المناخية القاسية خلال السنوات الأخيرة، يطرح هذا الواقع تساؤلات أعمق حول مدى فعالية السياسات الاستباقية، وقدرتها على الحد من آثار الكوارث الطبيعية قبل وقوعها.
كما يفتح هذا الوضع النقاش حول التوازن بين الزمن الإداري والزمن الميداني؛ فبينما تتطلب المساطر وقتاً للتفعيل، يواجه السكان المتضررون تحديات يومية تستدعي تدخلاً سريعاً يضمن استعادة الحد الأدنى من شروط العيش الكريم.
وهو ما يجعل من عنصر السرعة في التدخل عاملاً حاسماً في تقييم نجاعة الاستجابة العمومية.
ولا يقل ملف التعويضات وإعادة الإعمار أهمية عن التدخل الاستعجالي، إذ يبرز كاختبار لمدى قدرة السياسات العمومية على تحقيق الإنصاف المجالي، خاصة في ما يتعلق بدعم الفلاحين المتضررين وإعادة تأهيل المساكن والبنيات الأساسية، في إطار يضمن الشفافية والعدالة في توزيع الموارد.
يشكل ما وقع في تاونات مناسبة لإعادة طرح سؤال “العدالة المجالية” من زاوية عملية، تتجاوز الشعارات نحو تقييم ملموس لمدى قدرة التدخل العمومي على مواكبة التحولات المناخية والاجتماعية، بما يعزز صمود المجالات القروية ويحد من تكرار نفس السيناريوهات مستقبلاً.
