أعادت دراسة علمية منشورة حديثاً في مجلة Zoonotic Diseases، التابعة للناشر MDPI، الخطارات المهجورة في المجالين الحضري وشبه الحضري لمراكش إلى واجهة النقاش، بعدما تناولت تنوع ذباب الرمل داخل هذه البنيات المائية التقليدية، وما يمكن أن يطرحه ذلك من أسئلة مرتبطة بالصحة البيئية وداء الليشمانيا.
ولا تكمن أهمية الدراسة فقط في موضوعها العلمي، بل في الزاوية التي تفتحها على تدبير المدينة، فهي لا تتعامل مع الخطارات باعتبارها مجرد بقايا من تراث مائي قديم، بل باعتبارها فضاءات مهملة قد تتحول، في ظروف معينة، إلى بيئات تحتاج إلى مراقبة علمية وصحية، خصوصاً حين توجد داخل مجال يعرف توسعاً عمرانياً وضغطاً سكانياً متزايداً.
لا يتعلق الأمر هنا بتهويل صحي، ولا بإعلان خطر وشيك، ولا بمحاولة تقديم مراكش كمدينة مهددة، بل بتنبيه علمي هادئ إلى أن البنيات التقليدية، حين تخرج من دائرة الجرد والصيانة والتدبير، لا تبقى دائماً مجرد آثار منسية، بل قد تتحول إلى فراغات بيئية تفرض أسئلة جدية على من يدبر المجال.
فالخطارة ليست قناة قديمة تحت الأرض فقط، بل جزء من ذاكرة مائية عميقة، ومن نظام مغربي تقليدي قام على فهم دقيق لعلاقة الإنسان بالماء والأرض والجفاف.
لقد شكلت الخطارات، لقرون طويلة، نموذجاً في تدبير الندرة، حيث كان الماء يُستخرج وينتقل بمنطق جماعي، وبتوازن بين الحاجة والموارد، قبل أن تفقد كثير من هذه البنيات وظيفتها الأصلية تحت ضغط التحولات العمرانية، وتراجع الصيانة، وغياب الجرد المنتظم.
وحين تفقد البنية وظيفتها دون أن تدخل في سياسة واضحة للتأهيل أو الحماية أو المراقبة، فإنها لا تتحول بالضرورة إلى ذكرى هادئة، بل قد تصبح مجالاً صامتاً تتجمع فيه الرطوبة والفراغ والإهمال، وتتشكل داخله شروط بيئية تجعل البحث العلمي ضرورياً لقراءة ما لا تراه السياسات العمومية في الوقت المناسب.
من هنا تكتسب الدراسة دلالتها الأوسع، لأنها لا تضع مراكش في خانة الخطر، لكنها تفتح نافذة دقيقة على سؤال المدينة التي تُقدَّم للعالم كواجهة سياحية كبرى، بينما تحمل في أطرافها وجيوبها الحضرية طبقات أخرى من الواقع تحتاج إلى تدبير لا يقل جدية عن تدبير الواجهة.
مراكش التي تُرى من الخارج مدينة ضوء وفنادق ومؤتمرات وحدائق وأسواق مصقولة، لا تختزل في هذه الصورة وحدها، ففي عمقها توجد بنيات قديمة، وممرات منسية، وخطارات فقدت وظيفتها، لكنها لم تفقد قدرتها على طرح الأسئلة.
الدراسة اشتغلت على عينات من ذباب الرمل داخل هذا النظام البيئي الخاص، وسجلت وجود تنوع في الأنواع، بينها أنواع معروفة بدورها في نقل الليشمانيا بالمغرب، وهو معطى لا يعني إعلان حالة خطر، لكنه يمنح النقاش أساساً علمياً كافياً للربط بين الصحة الجماعية، والتعمير، وتدبير الماء، وحماية التراث المائي.
عند هذه النقطة، يصبح سؤال الجماعة الترابية حاضراً بقوة، لا من باب الاتهام المباشر، بل من باب المساءلة التدبيرية، لأن الفضاءات الموجودة داخل المجال الحضري وشبه الحضري لا يمكن أن تبقى خارج معرفة المسؤول المحلي، وخارج خرائط التدخل، وخارج برامج المراقبة والصيانة.
الجماعة ليست مطالبة بإنتاج الدراسات العلمية، لكنها مطالبة بألا تنتظر الدراسة كي تكتشف ما يوجد داخل ترابها، فالمدينة لا تُدار فقط عبر الإنارة، والتبليط، وتنظيم الساحات، وتحسين الواجهات، بل تُدار أيضاً من خلال معرفة ما يوجد في عمقها وأطرافها وبنياتها الصامتة.
السؤال هنا بسيط ومحرج في آن واحد: هل تتوفر الجماعة على خريطة دقيقة للخطارات المهجورة داخل نفوذها؟ وهل تعرف حالتها البيئية؟ وهل توجد برامج لتأمينها أو مراقبتها أو إدماجها ضمن سياسة المدينة؟ وهل هناك تنسيق فعلي بين الجماعة، والمصالح الصحية، وقطاعات التعمير، والجهات المكلفة بالماء والتراث؟.
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى خصومة سياسية كي تكون مشروعة، لأن مسؤولية التدبير المحلي تبدأ من القدرة على رؤية التفاصيل التي لا تظهر في الصورة السياحية، ومن تحويل الفضاءات المهملة إلى معطيات معروفة ومراقبة، بدل تركها خارج دفتر الأولويات إلى أن يضعها البحث العلمي تحت المجهر.
في تدبير المدن، لا تظهر الاختلالات دائماً في شكل أزمات مفاجئة، فقد تبدأ من إهمال صغير، ثم تتحول إلى ملاحظة علمية، ثم إلى تقرير، ثم إلى سؤال عمومي، ثم إلى كلفة كان يمكن تفاديها لو حضرت اليقظة في وقتها.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن داء الليشمانيا ينتقل عبر لسعات إناث ذباب الرمل المصابة، وهو ما يجعل الأبحاث الميدانية حول هذه الحشرات، خصوصاً داخل المجالات الحضرية وشبه الحضرية المعرضة للمخاطر، ذات أهمية صحية خاصة.
لذلك، ينبغي قراءة هذه الدراسة بعين الجدية لا بعين الخوف، فالرسالة ليست أن مراكش مهددة غداً، بل أن المدينة لا تُدبَّر من ساحاتها المضيئة وحدها، ولا من صورتها السياحية فقط، بل من هوامشها أيضاً، ومن بنياتها التي توجد خارج الخدمة، ومن المساحات التي لا تحضر في الخطاب العمومي إلا حين يتوقف عندها الباحثون.
لقد صار الماء في المغرب عنواناً مركزياً في السياسات العمومية، حيث يجري الحديث عن السدود، والتحلية، والربط المائي، والفرشة المائية، والجفاف، وكأن سؤال الماء يوجد فقط في المشاريع الكبرى والخرائط الهندسية الواسعة.
لكن هذه الدراسة تذكرنا بأن هناك ماءً آخر، أو ذاكرة ماء، أو بقايا نظام مائي قديم، تسكن تحت الأرض، وتحتاج إلى أن تُقرأ ضمن رؤية تجمع بين البيئة، والصحة، والعمران، والتراث.
وهنا يظهر الفرق بين جماعة تكتفي بتدبير الواجهة، وجماعة تفهم أن مسؤوليتها تبدأ أيضاً من الأماكن التي لا يراها السائح، ولا تصلها الكاميرا، ولا تظهر في البلاغات الجميلة.
فالخطارة، حين تكون حية، تروي الأرض، وحين تُترك للموت البطيء، قد تروي أسئلة محرجة حول الجرد، والصيانة، والمراقبة، والتنسيق بين المتدخلين.
هذا ليس ملفاً ضد مراكش، بل هو دفاع عن مراكش من اختزالها في صورتها السياحية، لأن مدينة بهذا الثقل الرمزي لا تستحق أن تُرى فقط من شرفات الفنادق، ولا من ساحات الضوء، ولا من منصات المؤتمرات الدولية.
تستحق مراكش أن تُرى أيضاً من خطاراتها، ومن أطرافها، ومن بنياتها الصامتة، ومن تلك المساحات التي لا تصلها الزيارة الرسمية إلا بعد أن تتحول إلى مشكل.
فالهامش، حين يُترك طويلاً، لا يبقى هامشاً، بل يصعد في شكل دراسة، ثم في شكل سؤال، ثم في شكل كلفة.
والسياسة الذكية لا تنتظر أن تتحول الفجوات الصغيرة إلى عناوين كبيرة، كما أن الحكامة التي تستحق اسمها لا تكتفي بتلميع السطح، بل تنزل إلى العمق، حيث توجد القنوات القديمة، والأسئلة القديمة، واللامبالاة الجديدة.
مراكش لا تحتاج إلى تهويل، بل تحتاج إلى يقظة، والخطارات لا تحتاج إلى رثاء فولكلوري، بل تحتاج إلى جرد، وصيانة، ومراقبة، وإدماج داخل سياسة ترابية ترى الماء، والصحة، والتراث، والعمران كملف واحد، لا كحقائب متفرقة فوق طاولة باردة.
ودور الجماعة هنا ليس تفصيلاً إدارياً صغيراً، بل هو جوهر المسألة، لأن الجماعة التي لا تعرف خرائط هشاشتها لا تستطيع أن تدّعي أنها تدبر مستقبلها، والجماعة التي تنتظر أن ينبهها البحث العلمي إلى فراغات توجد داخل ترابها تحتاج إلى أكثر من بلاغ، تحتاج إلى مراجعة طريقة النظر إلى المدينة.
دراسة علمية واحدة لا تصنع حكماً نهائياً، لكنها تكفي لفتح نقاش جاد حول الطريقة التي تُدبَّر بها مراكش، وحول قدرة المسؤول المحلي على رؤية ما يوجد خارج الواجهة.
وفي المغرب، كثيراً ما يتأخر الإصلاح لأن السؤال ظل طويلاً بلا صاحب.
هذه المرة، خرج السؤال من تحت الأرض.
ومن العيب أن يبقى الجواب فوق المكاتب.
