بقلم: الباز عبدالإله
بصمت الحكومة، عبر المرسوم رقم 2.26.311، على خطوة تُقدَّم في ظاهرها كآلية جديدة لدعم حضور الشباب داخل المؤسسة التشريعية، من خلال تغطية جزء مهم من تكاليف الحملات الانتخابية.
غير أن قراءة متأنية لمضامين هذا النص تفتح نقاشاً أعمق حول طبيعة هذا الدعم وحدوده، وما إذا كان يُسهم فعلاً في توسيع هامش الاستقلالية لدى الشباب، أم يعيد إدماجهم داخل توازنات قائمة سلفاً.
وأوضح مصطفى بايتاس، خلال الندوة الصحفية التي أعقبت انعقاد المجلس الحكومي الأسبوعي، أمس الخميس، أن هذا المرسوم يأتي تطبيقاً لمقتضيات القانون التنظيمي المتعلق بمجلس النواب، بهدف تمكين فئة الشباب، بمن فيهم غير المنتمين للأحزاب السياسية، من الاستفادة من دعم عمومي موجه لتغطية جزء من نفقات الحملات الانتخابية، مع إخضاعها لشروط قانونية ورقابية محددة.
فأن تتحمل الدولة ما يصل إلى 75 في المائة من المصاريف الانتخابية لفائدة فئة عمرية محددة، هو إجراء يحمل في طياته رغبة معلنة في تقليص أحد أبرز العوائق أمام ولوج الشباب إلى العمل السياسي، والمتمثل في الكلفة المالية للترشح. غير أن هذا الدعم، رغم أهميته، يطرح في المقابل تساؤلات مشروعة حول مدى قدرة الفاعل السياسي الشاب على بناء مشروع مستقل، في ظل ارتباط جزء من مساره الانتخابي بتمويل عمومي مؤطر بشروط دقيقة.
كما أن اشتراط تغطية النسبة المتبقية من المصاريف يسلط الضوء على إشكالية تكافؤ الفرص، إذ يظل السؤال مطروحاً حول الفئات القادرة فعلياً على تعبئة هذا الجزء، في سياق اقتصادي يواجه فيه جزء واسع من الشباب صعوبات مرتبطة بالولوج إلى الموارد.
وهو ما قد يؤدي، بشكل غير مباشر، إلى تفاوت في فرص الولوج بين مترشحين مدعومين تنظيمياً أو اجتماعياً، وآخرين يفتقرون إلى نفس الإمكانيات.
وفي هذا الإطار، يبرز دور التنظيمات الحزبية باعتبارها الفاعل الأكثر قدرة على تأطير المترشحين وتوفير شروط خوض الاستحقاقات، وهو ما قد يجعل الاستفادة من هذا الدعم مرتبطة عملياً بمدى الاندماج داخل هذه البنيات، أكثر من كونها فرصة مفتوحة بنفس الدرجة أمام المبادرات المستقلة.
أما بالنسبة للمترشحين غير المنتمين، فرغم فتح الباب أمامهم من الناحية القانونية، فإن التحدي لا يرتبط فقط بالتمويل، بل أيضاً بقدرتهم على مجاراة ديناميات انتخابية معقدة تشمل التنظيم والتواصل والوصول إلى الناخبين، وهي عناصر تتجاوز بكثير الجانب المالي.
وفي المقابل، يكرّس المرسوم آليات رقابية مهمة، من خلال إلزامية فتح حسابات بنكية خاصة بكل لائحة، وإعداد حساب الحملة الانتخابية وإيداعه لدى المجلس الأعلى للحسابات، بما يعزز من منطق الشفافية وربط الدعم العمومي بمقتضيات المحاسبة، وإن كان ذلك يفرض في الآن ذاته متطلبات تقنية قد تشكل تحدياً إضافياً أمام بعض المترشحين الجدد.
في هذا السياق، يبرز الرهان الحقيقي أبعد من مجرد قدرة ميزانية الدولة على ضخ السيولة في الحملات الانتخابية، ليرتبط أساساً بمدى قدرة المنظومة السياسية على ترسيخ الثقة لدى الناخبين.
فالدعم المالي، مهما بلغت أهميته، يظل محدود الأثر في غياب بيئة تنافسية متكافئة، وفي ظل استمرار تأثير شبكات النفوذ داخل الحقل الحزبي والانتخابي.
ومن ثم، فإن تمكين الشباب من ولوج المؤسسات المنتخبة لا يقتصر على تخفيف كلفة الترشح، بل يستدعي أيضاً ضمان شروط فعلية للاستقلالية في القرار والممارسة.
ذلك أن المترشح الشاب، إذا وجد نفسه محكوماً بإكراهات تنظيمية أو بتوازنات سابقة، قد يتحول حضوره داخل البرلمان إلى امتداد لتمثيلية قائمة، بدل أن يشكل إضافة نوعية قادرة على إحداث التغيير المنشود.
وعليه، فإن هذا المرسوم يطرح نفسه كاختبار حقيقي لمدى قدرة السياسات العمومية على الانتقال من منطق الدعم التقني إلى منطق الإصلاح البنيوي، بما يسمح بفتح المجال أمام نخب شابة تمتلك ليس فقط وسائل الترشح، بل أيضاً هامش المبادرة والتأثير داخل الفضاء السياسي.
