كلما اقترب موعد الانتخابات، يعود النقاش السياسي إلى سؤال جوهري يتجاوز البرامج والشعارات والتحالفات، سؤال يتعلق بمعنى المسؤولية السياسية، وحدود المحاسبة الديمقراطية، وقدرة المواطن على تحويل الاقتراع من إجراء انتخابي دوري إلى لحظة تقييم عمومي للحصيلة والسلوك والممارسة.
فالانتخابات، في جوهرها، لا تُختزل في منافسة بين رموز وألوان حزبية، ولا في سباق تقني نحو المقاعد، بل تمثل فرصة مؤسساتية لمساءلة من مارسوا السلطة، أو شاركوا في القرار، أو استفادوا من مواقع التأثير داخل الحياة العامة.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعاً حول ما إذا كان المواطن يدخل إلى مكتب التصويت باعتباره ناخباً حراً يملك حق التقييم والمحاسبة، أم باعتباره مجرد رقم انتخابي يُستدعى دورياً لإعادة إنتاج نفس الخريطة السياسية.
الأحزاب التي جلست في مواقع القرار لا يمكن أن تعود إلى المواطن بذاكرة بيضاء. فلها حصيلة، ولها قرارات، ولها مواقف معلنة، ولها أيضاً صمت سياسي في لحظات كان فيها الصمت موقفاً بحد ذاته. لذلك لا ينبغي أن تُعامل الانتخابات المقبلة كصفحة جديدة منفصلة عن السنوات السابقة، بل كامتداد طبيعي لمسار سياسي يحتاج إلى تقييم واضح.
الأخطر أن جزءاً من الممارسة الحزبية لم يعد يُقرأ فقط من خلال البرامج والخطابات، بل من خلال شبكة المصالح التي تحيط بالفعل السياسي. فعندما تتداخل مواقع القرار مع المصالح الاقتصادية، وعندما يصبح العمل الحزبي مدخلاً إلى النفوذ بدل أن يكون تعبيراً عن الوساطة الديمقراطية، يصبح النقاش حول تضارب المصالح جزءاً مركزياً من أي محاسبة انتخابية جدية.
في هذا السياق، لم يكن تعثر فتح مسار التقصي في ملف دعم استيراد المواشي، بما أثاره من جدل سياسي وإعلامي واسع، مجرد تفصيل برلماني عابر، بل مثالاً دالاً على حدود الرقابة السياسية عندما تقترب من ملفات حساسة ترتبط بالمال العام، والدعم العمومي، وانعكاسات السياسات الاقتصادية على القدرة الشرائية.
كان من المفترض أن يفتح هذا الملف نقاشاً مؤسساتياً واسعاً حول شروط الدعم، ولوائح المستفيدين، ومآل الأثر المنتظر على الأسعار. غير أن المبادرة اصطدمت بحسابات عددية وسياسية حالت دون بلوغ مسار لجنة تقصي الحقائق مداه المطلوب.
وبقيت المبادرة، وفق المعطيات المتداولة، دون العتبة العددية المطلوبة، بما جعل مسار لجنة تقصي الحقائق يتعثر قبل بلوغ مداه المؤسسي.
هذه المعطيات لا ينبغي قراءتها بمنطق الحساب البرلماني فقط، بل بمنطق دلالتها السياسية. فهي تطرح سؤالاً أوسع حول قدرة المؤسسة التشريعية على تفعيل أدوات الرقابة حين يتعلق الأمر بملفات ذات حساسية اجتماعية واقتصادية، وحول حدود الإرادة السياسية في تحويل الشفافية من شعار إلى ممارسة.
هنا تبرز المفارقة حين تبدو المساطر سريعة عندما يتعلق الأمر بتمرير نصوص أو ترتيبات سياسية، بينما تصبح أكثر تعقيداً عندما يتعلق الأمر بتفعيل الرقابة على ملفات تمس حياة المواطن اليومية.
كما يجد المواطن أن بعض القضايا التي تعنيه مباشرة، من القدرة الشرائية إلى الدعم العمومي، ومن الشفافية إلى تضارب المصالح، تبقى أحياناً معلقة بين اللجان، وشروط النصاب، وحسابات التوازنات داخل المؤسسة التشريعية.
ليست المشكلة في المسطرة ذاتها، فالمؤسسات لا تشتغل خارج القواعد. لكن الإشكال يبدأ حين تتحول المسطرة إلى حاجز سياسي أمام السؤال، وحين يصبح العدد البرلماني وسيلة لتعطيل الرقابة بدل أن يكون آلية لتنظيمها.
هنا بالضبط يظهر سؤال “حزب ما قبل الصندوق”، لا باعتباره تنظيماً معلناً ينافس في الحملات، بل كاستعارة سياسية عن ذلك الحضور الذي يسبق الاقتراع، ويرافق الخريطة من الخلف، ويجعل المواطن يشعر أحياناً بأن جزءاً من اللعبة الانتخابية يبدأ قبل أن تُفتح مكاتب التصويت.
إنه حزب بلا لافتات، ولا مهرجانات، ولا خطابات جماهيرية، لكنه يحضر في منطقة الترتيبات الهادئة، حيث تُقرأ التوازنات قبل أن يتكلم الصندوق، وتُفهم الاتجاهات قبل أن تبدأ الحملة، وتُقرأ الخريطة قبل أن يضع المواطن ورقته في الصندوق.
هذا الحضور غير المرئي لا يترشح، لكنه يسكن النقاش العام كلما شعر المواطن بأن الخريطة السياسية لا تُصنع فقط بما تفرزه الصناديق، بل بما يسبقها من حسابات، وما يحيط بها من توازنات، وما يليها من هندسة للتحالفات والمواقع.
وهذا الشعور، سواء كان واقعاً كاملاً أو جزءاً من المخيال السياسي، يكفي وحده لكي يجعل المشاركة الواسعة ضرورة ديمقراطية لا تفصيلاً انتخابياً. فالفراغ لا ينتج محاسبة، بل يترك المجال لمنطق إعادة ترتيب الخريطة دون ضغط شعبي واضح.
من هنا يصبح الصندوق امتحاناً مزدوجاً: امتحاناً للأحزاب التي تطلب تفويضاً جديداً رغم ما راكمته من حصيلة وأسئلة، وامتحاناً للمواطن نفسه، بين الاكتفاء بمراقبة الخريطة وهي تُعاد هندستها، أو استعمال صوته لإرباك الحسابات الهادئة من داخل القاعدة الديمقراطية.
المحاسبة لا تتم فقط داخل المحاكم أو اللجان البرلمانية، بل يمكن أن تتم أيضاً داخل الصندوق، حين يقرر المواطن أن الثقة ليست تفويضاً دائماً، وأن المسؤولية السياسية لا تنتهي بانتهاء الولاية، وأن من عجز عن الإقناع لا ينبغي أن يستفيد من ضعف المشاركة أو من اعتياد الناخب على نفس الاختيارات.
ليس المطلوب أن يصوت المواطن ضد الجميع، ولا أن يمنح صوته لأي حزب صغير فقط لأنه يوجد في الهامش. المطلوب أن يتعامل مع الاقتراع باعتباره لحظة فرز سياسي، وأن يبحث عن البدائل التي تمتلك قدراً من الوضوح، والنزاهة، والاستقلال عن منطق المصالح الضيقة.
فالأحزاب الصغيرة ليست بالضرورة أكثر نقاءً، كما أن الأحزاب الكبرى ليست بالضرورة مسؤولة وحدها عن كل أعطاب السياسة. لكن الديمقراطية تفقد معناها عندما يتحول الحجم إلى ضمانة دائمة، وعندما يصبح القرب من مراكز النفوذ أقوى من القرب من المواطن، وعندما تتحول الانتخابات إلى آلية لإعادة إنتاج نفس التوازنات دون تقييم جدي للحصيلة.
الاقتراع المقبل يمكن أن يكون لحظة مساءلة هادئة لتضارب المصالح، ولطريقة تدبير الملفات الاجتماعية والاقتصادية، ولطبيعة العلاقة بين الحزب والسلطة والمال والنفوذ. كما يمكن أن يكون مناسبة لإعادة الاعتبار إلى وظيفة المواطن داخل الديمقراطية، لا باعتباره متلقياً للخطاب، بل طرفاً يملك حق التقييم والاختيار.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح بوضوح هو كيف يمكن أن تتحول الانتخابات إلى لحظة محاسبة سياسية، لا إلى مجرد محطة عابرة لإعادة إنتاج الخريطة نفسها.
فالغضب من الأداء الحزبي يبقى خارج المؤسسة حين لا ينعكس في سلوك انتخابي قادر على تعديل الخريطة، كما أن الشكوى من محدودية البدائل لا تكفي إذا تُرك المجال لنفس القوى كي تعيد ترتيب المشهد دون ضغط ديمقراطي كاف.
قد تكون اللحظة مناسبة لكي يستعيد المواطن معنى صوته. فالصوت الانتخابي ليس تفصيلاً إدارياً، بل تعبير سياسي عن الثقة أو سحبها، وعن الرضا أو الاعتراض، وعن الرغبة في الاستمرار أو التغيير.
الانتخابات ليست حفلاً لتجديد التفويض السياسي لمن فشلوا في إقناع المواطن، ولا فرصة جديدة لمن استهلكوا الثقة ثم عادوا يطلبونها بخطاب انتخابي جديد. إنها امتحان ديمقراطي، ومن أخفق في بناء الثقة لا ينبغي أن يستمر خارج منطق المحاسبة.
لهذا، حين يأتي يوم الاقتراع، سيكون السؤال الحقيقي أكبر من اسم الحزب والرمز والمرشح. سيكون السؤال متعلقاً بما إذا كان المواطن سيصوت بدافع العادة، أم بدافع التقييم.
وسيكون السؤال أيضاً حول ما إذا كان سيعيد إنتاج نفس الخريطة، أم سيفتح المجال أمام بدائل قادرة على إرباك المركز من الهامش.
كما سيكون السؤال الأعمق حول ما إذا كان المواطن سيترك السياسة لمن أتقنوا هندسة التوازنات، أم سيستعيدها من داخل الآلية الديمقراطية الوحيدة التي لا تزال تمنحه سلطة مباشرة.
“حزب ما قبل الصندوق”، كما تحضر صورته في النقاش السياسي، لا يرتبك من الكلام الكثير، ولا من الغضب العابر، ولا من النقد الذي لا يتحول إلى أثر. ما يربكه فعلاً هو مواطن يتذكر، ويقارن، ويصوت، ويجعل من الصندوق امتداداً للمحاسبة لا مجرد محطة عابرة في روزنامة انتخابية.
الديمقراطية لا تبدأ حين يتحدث السياسي، بل حين يقرر المواطن ألا يتعامل مع ذاكرته السياسية كأمر ثانوي.
وحين لا ينسى المواطن، يصبح الصندوق أداة رقابة واسعة. لا تحتاج إلى توقيعات، ولا إلى إذن، ولا إلى إدراج في جدول الأعمال. تحتاج فقط إلى وعي سياسي يجعل التصويت امتداداً للمحاسبة، لا مجرد عادة انتخابية تتكرر كل بضع سنوات.
