بقلم: الباز عبدالإله
لا يمكن قراءة صمت الوزير محمد برادة تجاه مطالب مفتشي الاقتصاد والإدارة بمعزل عن التحولات العميقة التي يعرفها تدبير الرقابة داخل المنظومة التربوية.
فالنقاش لم يعد مرتبطاً فقط بتعويضات أو وضعيات إدارية عالقة، بل أصبح يمس جوهر الدور الذي تضطلع به هذه الهيئة: هل ما زال مفتش الاقتصاد “عيناً يقظة” على المال العام، أم أن موقعه داخل معادلة الإصلاح يعاد رسمه بهدوء؟
وقد أعاد السؤال الكتابي الذي وجّهه المستشار البرلماني خالد السطي، عن الاتحاد الوطني للشغل بالمغرب، هذا الملف إلى واجهة النقاش المؤسساتي، بعدما أثار بشكل مباشر اختلالات ترتبط بتأخر صرف التعويضات، واستمرار وضعيات إدارية عالقة، إلى جانب ما اعتبره غياباً لإنصاف هذه الفئة رغم الأدوار الحيوية التي تضطلع بها داخل المنظومة.
وإذا كان هذا السؤال قد ركّز على الجوانب المهنية والاجتماعية، فإن خلفيته تمتد إلى ما هو أعمق؛ إذ إن إضعاف شروط عمل “عين الدولة” لا يؤثر فقط على أوضاعها، بل ينعكس مباشرة على جودة تتبع المال العام وفعالية الرقابة داخل المنظومة.
ما يثير الانتباه اليوم هو هذا التراجع غير المعلن لدور الرقابة التقليدية، مقابل صعود متزايد لأشكال أخرى من التتبع والتدقيق، غالباً ما تتم خارج دواليب الإدارة التربوية.
وبين هذا وذاك، يطرح سؤال دقيق: هل نحن أمام إعادة توزيع للأدوار، أم أمام انتقال تدريجي لوظائف المراقبة نحو فضاءات أقل احتكاكاً بالواقع اليومي للمؤسسات؟ فعندما تتراكم الملفات العالقة، وتتأخر التسويات، ويغيب المفتش عن مراكز القرار الإصلاحي، فإن الأمر يتجاوز البعد الاجتماعي إلى مستوى أعمق يتعلق بفعالية الرقابة نفسها.
فالتفتيش ليس مجرد وظيفة إدارية، بل آلية توازن داخل المنظومة، تضمن الحد الأدنى من الانسجام بين صرف الموارد وتتبع أثرها.
وفي الوقت الذي تُغدق فيه الوزارة بسخاء حاتمي على صفقات التواصل، وتلميع صورة “الإصلاح” في الندوات الفخمة، يبدو مثيراً للاستغراب هذا “التقشف المفاجئ” عندما يتعلق الأمر بحقوق هيئة تفتيش يُفترض أنها صمام الأمان ضد أي هدر محتمل.
إن الاستمرار في تغييب مفتشي الاقتصاد والإدارة عن مواكبة المشاريع المليارية، مثل “مؤسسات الريادة”، يطرح علامات استفهام حارقة حول طبيعة الحكامة التي يتبناها الوزير برادة؛ فهل نضجت شروط الاستغناء عن الرقابة الميدانية لصالح “رقابة الصالونات المكيفة” والتقارير الجاهزة؟ إن تهميش “عين الدولة” على المال العام في هذا التوقيت بالذات، ليس مجرد خلل إداري، بل هو رهان محفوف بالمخاطر قد يجعل من ميزانيات الإصلاح “ثقوباً سوداء” لا يعرف أحدٌ أين تبدأ وأين تنتهي.
إن الخطورة في نهج “التجاهل” الحالي لا تكمن فقط في ضياع حقوق مادية، بل في تحويل مفتش الاقتصاد والإدارة إلى “شماعة” تُعلّق عليها اختلالات التدبير لاحقاً، في وقت يُسجَّل فيه تراجع حضوره في بعض دوائر القرار.
فكيف يُطلب من مسؤول رقابي أن يضمن شفافية الإطعام المدرسي، أو جودة التجهيزات، أو صيانة المؤسسات، وهو يلاحظ أن حضوره في مواكبة بعض الصفقات الكبرى يظل محدوداً مقارنة بحجم الرهانات المطروحة؟
وفي ظل التوجه المتزايد نحو الرقمنة وآليات التتبع عن بُعد، يبرز تحدٍ آخر يتعلق بمدى قدرة هذه الأدوات على عكس الواقع الميداني بكل تعقيداته. فالتقارير، مهما بلغت دقتها، تظل بحاجة إلى عين خبيرة قريبة من تفاصيل المؤسسات، قادرة على التقاط ما لا يظهر في المؤشرات الرقمية.
وبدون مفتش متمكن، محفَّز، ومتمتع بكامل صلاحياته، قد تتحول مشاريع الإصلاح إلى تصورات مكتملة على الورق، لكنها تواجه صعوبات في التنزيل الفعلي داخل المدرسة العمومية.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يكمن في تدبير هذا الملف بمنطق تقني أو ظرفي، بل في إعادة طرح سؤال الرقابة كعنصر أساسي في هندسة الإصلاح.
فهل نحن أمام مرحلة إعادة تعريف لدور المفتش، أم أن الأمر يتعلق فقط بتأخر في مواكبة التحولات الجارية داخل القطاع؟ الكرة الآن في ملعب الوزير محمد برادة: فإما أن ينتصر لمنطق الحكامة ويعيد الاعتبار لدور الرقابة داخل المنظومة، أو يواصل تدبير هذا الملف بالمقاربة نفسها التي تثير اليوم أكثر من علامة استفهام، ويترك المدرسة العمومية أمام اختلالات قد يصعب تداركها لاحقاً.
