بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد نقاش الساعة الإضافية في المغرب مجرد جدل تقني حول “توفير الطاقة”، بل تحول تدريجياً إلى قضية مجتمعية تطرح أسئلة حقيقية حول العلاقة بين القرار العمومي وتفاصيل الحياة اليومية للمواطنين.
فبين خطاب رسمي يستند إلى المراسيم والتنظيمات، وشعور متزايد لدى فئات واسعة من المغاربة بثقل هذا التوقيت، تتسع فجوة التأويل بين ما يُقال وما يُعاش.
في هذا السياق، أكدت الوزيرة المنتدبة أمل الفلاح السغروشني، اليوم الاثنين بمجلس النواب، خلال تفاعلها مع أسئلة شفهية، أن موضوع الساعة القانونية للمملكة “مؤطر بنصوص قانونية وتنظيمية واضحة”، مشددة على أن التعامل معه يتم وفق مقاربة مؤسساتية تراعي استقرار القرار العمومي وتوزيع الاختصاصات بين مختلف القطاعات، مستندة في ذلك إلى ترسانة قانونية يعود بعض نصوصها إلى ظهير 1967.
غير أن هذا المعطى يضع النقاش أمام سؤال يتجاوز الشرعية القانونية نحو جدوى هذه المرجعية، فهل تصلح نصوص صُممت لزمن غير زماننا لتدبير إيقاع حياة مغاربة 2026؟
إن هذا الطرح يفتح بدوره تساؤلات حول مدى كفاية السند القانوني وحده لحسم نقاش يتجاوز الإطار التنظيمي ليصل إلى جوهر السيادة الوطنية.
فهل يُعقل أن تظل عقارب الساعة في بيوتنا وفصول مدارسنا مرتبطة باعتبارات خارجية أو بإيقاعات اقتصادية دولية؟ إن السيادة الوطنية لا تقتصر فقط على تأمين الحدود، بل تمتد لتشمل ما يمكن تسميته بـ”الاستقلال الزمني”، الذي يراعي خصوصية الجغرافيا المغربية وتوقيت شروق الشمس فوق جبال الأطلس والمناطق القروية، قبل أي اعتبارات أخرى.
وفي هذا الإطار، يظل السؤال مطروحاً حول مدى تحقيق التوازن بين المتطلبات الاقتصادية والانسجام مع الإيقاع البيولوجي والاجتماعي للمغاربة.
وبينما تتحدث الحكومة عن “مرونة مجالية” وتكييف الزمن المدرسي، يبرز واقع ميداني أكثر تعقيداً في عدد من المناطق القروية والجبلية، حيث يصبح التوقيت المبكر تحدياً يومياً، خاصة بالنسبة للتلاميذ الذين يضطرون للتنقل في ظروف صعبة قبل شروق الشمس.
في هذا السياق، تتحول الساعة الإضافية إلى مؤشر واضح على صعوبة مواءمة القرار المركزي مع خصوصيات “المغرب العميق”، حيث لا يُنظر إلى التوقيت كخيار تنظيمي فقط، بل كعامل مؤثر في الإحساس بالأمان وجودة الحياة، خصوصاً لدى الفئات الأكثر هشاشة.
كما أن استمرار النقاش العمومي حول محدودية الأثر الاقتصادي والطاقي لهذا الإجراء، يفتح الباب أمام دعوات متزايدة لإجراء تقييمات مستقلة وشاملة، تستند إلى معطيات دقيقة وشفافة، قادرة على قياس انعكاساته الحقيقية على مختلف المستويات.
وهو ما يجعل اللجوء إلى مؤسسات استشارية خطوة في اتجاه تعميق النقاش بدل الاكتفاء بالمقاربات التقنية.
في النهاية، لا يبدو أن الإشكال يكمن فقط في الإطار القانوني المنظم للساعة الإضافية، بقدر ما يرتبط بمدى قدرة السياسات العمومية على التفاعل مع التحولات الاجتماعية وانتظارات المواطنين.
فاستقرار القرار يظل ضرورياً، لكن هذا الاستقرار يكتسب معناه الحقيقي حين ينسجم مع راحة المواطن ويعزز ثقته في جدوى الاختيارات العمومية، دون أن يظل توقيت المملكة معلقاً بين مرجعيات قانونية قديمة ومتطلبات خارجية، أو أن تُبنى استمرارية المرفق العمومي على حساب التوازن النفسي والاجتماعي للمجتمع.
