لم يعد الصمت ممكناً أمام المشاهد القادمة من المستشفى الإقليمي بتاونات؛ فهذا المرفق الذي يُفترض أن يكون حصناً للمواطن في مواجهة المرض، تحوّل في واقع الأمر إلى محطة عبور قسرية، لا تقدم للمرتفقين سوى انتظار مرير أو إحالات متكررة نحو مراكز أخرى، في تكريس واضح لواقع صحي يختزل معنى التهميش في أبسط تجلياته.
وفي خطوة تكشف أن ما يجري لم يعد قابلاً للتجاهل، وجّه النائبان البرلمانيان محمد الحجيرة وعبد اللطيف الفقير، عن فريق الأصالة والمعاصرة، سؤالاً كتابياً إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، وضعا من خلاله الوزارة أمام أسئلة محرجة: ما الذي يفسر هذا التدهور؟ وأين وصلت وعود التأهيل؟ وما هي الإجراءات الاستعجالية لإخراج هذا المستشفى من وضعه الحالي؟
إن هذا السؤال، في عمقه، ليس مجرد آلية رقابية، بل هو إحراج سياسي لمنظومة ترفع شعار تعميم الحماية الاجتماعية، بينما يظل مواطن في تاونات عاجزاً عن الولوج إلى خدمات صحية تحفظ كرامته.
فكيف يستقيم خطاب “الإصلاح” مع واقع يفتقر لأبسط شروط العلاج، من تجهيزات أساسية إلى أطر طبية متخصصة؟
ما يحدث داخل أسوار هذا المستشفى لا يمكن اختزاله في خصاص عابر، بل يعكس اختلالاً عميقاً في هندسة العرض الصحي بالمغرب؛ حيث تتجه الاستثمارات نحو مراكز محددة، بينما تُترك مناطق بأكملها لمعادلة الانتظار أو التنقل القسري. هنا، لا يتعلق الأمر بالجغرافيا، بل باختيارات عمومية تطرح أكثر من علامة استفهام حول مفهوم العدالة المجالية.
المقلق في الأمر أن هذا الواقع لم يعد مجرد معطى تقني، بل تحول إلى تجربة يومية للمواطن، حيث يصبح العلاج رحلة شاقة بدل أن يكون حقاً مضموناً.
وبين خطاب رسمي يتحدث عن أوراش كبرى، وواقع ميداني يكشف أعطاباً مزمنة، تتسع فجوة الثقة بشكل مقلق.
لقد انتهى زمن التشخيص الذي يبرر كل شيء، وبدأ زمن مساءلة النتائج؛ فمستشفى تاونات لم يعد مجرد مرفق صحي يعاني، بل صار عنواناً لاختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة على تحويل “الحق في العلاج” من شعار دستوري إلى واقع ملموس.
إن معركة إصلاح المنظومة الصحية في تاونات، وفي كل “المناطق المنسية”، ليست معركة أرقام أو ميزانيات فحسب، بل هي اختبار حقيقي لصدق الإرادة السياسية في القطيعة مع مغرب “السرعتين”.
فالعدالة الاجتماعية لا تُقاس بحجم التشييد في المراكز الكبرى، بل بمدى صمود أضعف حلقة في السلسلة الصحية بأقصى المناطق القروية.
اليوم، لم يعد المطلوب هو “ترميم” التهميش بوعود ظرفية، بل إنهاء منطق “المواطنة المنقوصة” التي تفرض على سكان الجبال والوديان دفع فاتورة العزلة من صحتهم وأرواحهم.
فإما أن يكون “الحق في العلاج” للجميع وبالكرامة ذاتها، أو أننا سنظل أمام إصلاحات شكلية تُجمّل الواجهة بينما تظل الجراح غائرة في العمق.
