بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد الجدل حول التمويلات الأجنبية الموجهة للجمعيات مجرد نقاش تقني يهم مساطر التصريح، بل تحول إلى مواجهة سياسية وقانونية تمس جوهر السيادة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
فالأرقام الصادمة التي قدمها الناطق الرسمي باسم الحكومة، مصطفى بايتاس، والتي تتحدث عن أزيد من 848 مليون درهم صُرّح بها خلال سنتي 2025 و2026، تضعنا أمام علامة استفهام كبرى: إذا كانت الحكومة تملك الأرقام والقدرة على الجرد، فمن المستفيد من إبقاء الأسماء طي الكتمان؟
وفي هذا السياق، أكد الوزير بايتاس، خلال جوابه على سؤال شفهي بمجلس النواب، أمس الإثنين، أن الإطار القانوني المنظم لتلقي الجمعيات المغربية للدعم الأجنبي يظل محصورًا في مقتضيات الظهير الشريف رقم 1.58.376 المتعلق بتأسيس الجمعيات، الصادر سنة 1958، ولا سيما الفصل 32 المكرر منه، الذي يعد النص التشريعي الوحيد المؤطر لهذا المجال، وهو ما يعكس استمرار الاعتماد على مرجعية قانونية تعود لأكثر من ستة عقود في تدبير ملف يتسم بحساسية متزايدة.
هذا المعطى يطرح أكثر من تساؤل سياسي وقانوني.
فمن غير المنطقي أن يُدبر مغرب ما بعد دستور 2011، الذي يرفع شعار الحكامة والشفافية، بمنطق تشريعي يعود لأزيد من ستة عقود.
هذا التمسك بنص قديم لا يعكس فقط بطءاً في التحيين، بل يعكس أيضاً حدود الانسجام مع حق المواطن في الوصول إلى المعلومة، ومع المبادئ الدستورية التي تجعل من وضوح مسارات التمويل الأجنبي جزءاً من متطلبات الحكامة.
الواقع أن النقاش الحقيقي لم يعد يدور حول “شرعية التمويل”، بل حول “وضوح الأهداف والمسارات”.
ففي ظل غياب لوائح اسمية مفتوحة للعموم، يتحول هذا الغموض إلى بيئة تطرح تساؤلات حول طبيعة بعض الفاعلين، وقد يفتح المجال أمام بروز كيانات جمعوية مثيرة للجدل، يُطرح بشأنها النقاش حول طبيعة ارتباطاتها الخارجية، ومدى انسجام أنشطتها مع الأولويات الوطنية.
الحكومة، بصمتها عن هوية المستفيدين، لا تحمي العمل الجمعوي كما تدعي، بل تضعه في منطقة رمادية قد تضر بثقة الرأي العام، وتؤثر سلباً على صورة الجمعيات الجادة التي تشتغل في إطار واضح.
إن التحذيرات البرلمانية من “التمويلات المشبوهة” ستظل دون أثر فعلي، ما لم يتم الانتقال من منطق “التصريح الإداري” إلى منطق “الشفافية العمومية”.
فنشر لوائح الجمعيات ومصادر تمويلها ومجالات صرفها ليس إجراءً تضييقياً، بل هو خطوة لتعزيز الثقة، وتمكين الرأي العام من تقييم مدى نجاعة هذه التمويلات.
وفي سياق أوسع، فإن استمرار تدبير مئات الملايين بمنطق محدود الشفافية يطرح تساؤلات عميقة حول السيادة الوطنية في زمن التحولات الرقمية والحروب الناعمة.
فالتحدي لم يعد فقط في تتبع الأرقام، بل في فهم الأهداف المرتبطة بهذه التدفقات، وضمان انسجامها مع الأولويات الوطنية.
إذ إن أي غموض في هذا المجال قد يفتح المجال لتأويلات متعددة حول طبيعة التأثيرات الممكنة داخل النسيج الجمعوي.
لذلك، فإن تعزيز آليات المراقبة والوضوح لا يُعد خياراً سياسياً ظرفياً، بل ضرورة لضمان التوازن بين الانفتاح على الشراكات الدولية وحماية القرار الوطني.
اليوم، ومع الحديث عن مراجعة قانون الجمعيات، لم يعد مقبولاً الاكتفاء بإصلاحات جزئية. المطلوب هو تحديث عميق يقطع مع منطق “العلبة المغلقة” في تدبير التمويلات الأجنبية، ويعزز آليات المراقبة والوضوح.
فالثقة لا تُبنى بالأرقام المجردة التي تُعرض، بل بالشفافية التي تجيب على الأسئلة الجوهرية: من يستفيد؟ ولماذا الآن؟ وتحت أي إطار من الحكامة؟
