لم تعد بيانات الشبكة المغربية لهيآت المتقاعدين مجرد صرخة في الواد، بل هي إعلان عن “وفاة سريرية” لتعاقد اجتماعي كان يفترض أن يضمن الكرامة لمن أفنوا أعمارهم في خدمة الإدارة والوطن.
اليوم، يجد المتقاعد المغربي نفسه أمام حقيقة مرة؛ فالدولة التي استخلصت منه الاقتطاعات لعقود بانتظام “سويسري”، تتعامل معه اليوم ببرود “محاسباتي” فج، يرى فيه مجرد رقم يهدد توازن الصناديق وعبئاً ثقيلاً على الميزانية العامة، وكأن مهمته انتهت بمجرد مغادرة أسوار الوظيفة.
إن الحديث عن “إصلاح منظومة التقاعد” بات مرادفاً، في القاموس الحكومي، لتحميل كلفة الإصلاح للمنخرطين والمتقاعدين على حد سواء.
فالمقاربة الحالية لا تبحث عن مكامن الخلل في الحكامة، ولا تسائل السياسات التي أهدرت أموال الصناديق في استثمارات مشكوك في مردوديتها، بل تبحث عن الحل الأسهل: تجميد المعاشات وخنق القدرة الشرائية.
في وقت يحرق فيه التضخم الأخضر واليابس، يظل معاش المتقاعد “صنماً” جامداً لا يتحرك، وكأن هذا المواطن يعيش خارج الزمن الاقتصادي، أو أنه غير معني بغلاء اللحوم والمحروقات والأدوية التي تضاعفت أسعارها تحت مسميات “تحرير السوق”.
ومن قمة الجرأة أن نتحدث اليوم عن “دولة اجتماعية” بينما يُترك المتقاعد لمواجهة غول الأمراض المزمنة بأسلحة صدئة، يصارع في طوابير “المواعيد البعيدة” بالمستشفيات، ويقتطع من معاشه الهزيل ثمن دواء كان يُفترض أن يكون مجانياً كحق أصيل.
إن غياب “سلة خدمات تفضيلية” في النقل والسكن والترفيه، يعكس عقلية تقنية جافة لا تستوعب أن التقاعد في الدول التي تحترم إنسانها هو “حياة ثانية” وليس “بداية للنهاية”.
المسألة اليوم ليست ندرة موارد، بل هي أزمة ثقة بامتياز؛ فالمتقاعدون يرفضون أن يكونوا “كفارة” لأخطاء تدبيرية عمرها عقود، والمطالبة بالزيادة في المعاشات ليست “صدقة” أو امتيازاً، بل هي استرداد لحقوق محتجزة خلف مبررات “الاستدامة المالية”.
فكيف تستقيم هذه الاستدامة إذا كانت تُبنى على تجويع أصحاب الحقوق وإذلالهم؟
إن ما يقع اليوم ليس مجرد خلل تقني في توزيع الأرقام، بل هو مؤشر على خلل قيمي عميق؛ فالدولة التي تعجز عن حماية ‘شيبتها’ هي دولة تخاطر بكسر جسور الثقة مع أجيالها القادمة. كيف يمكن إقناع الشباب المغربي بالانخراط في الوظيفة العمومية، وبالعطاء والتفاني، وهو يرى أمامه ‘نموذجاً حياً’ لمصيره القاتم؟ إن صورة المتقاعد المنهك بين غلاء المعيشة وتهميش المؤسسات هي أقوى رسالة ‘تيئيس’ يمكن أن يتلقاها الجيل الصاعد.
إن الاستمرار في تجاهل مطالب هذه الفئة هو بمثابة تفخيخ للمستقبل، لأن السلم الاجتماعي لا يُبنى فقط على إرضاء ‘النشطين’، بل على الوفاء لمن وضعوا اللبنات الأولى لهذا الوطن، قبل أن يجدوا أنفسهم اليوم خارج حسابات ‘الربح والخسارة’ الحكومية.
إن الانتقال من منطق الترافع الهادئ إلى منطق الضغط الميداني والاحتجاج في الشارع هو رسالة مشفرة لكل من يهمه الأمر: “المتقاعد لم يعد لديه ما يخسره”.
إن اللعب على ورقة الوقت، والمراهنة على تعب هذه الفئة، هو مقامرة خاسرة بالاستقرار الاجتماعي؛ فالكرامة لا تقبل التأجيل، والولاء للدولة يبدأ من وفاء الدولة بوعودها لأبنائها حين يشتعل الرأس شيباً.
المطلوب اليوم ليس “ترميماً” تقنياً للأرقام، بل ثورة في المفهوم القيمي للتقاعد، تعيد للمتقاعد مكانته كمواطن كامل المواطنة، له الحق في العيش الكريم لا مجرد الحق في “البقاء على قيد الحياة”.
فهل تستوعب الحكومة أن كلفة الغضب في الشارع ستكون أثقل بكثير من كلفة توقيع قرار بزيادة عادلة في المعاشات؟
