بقلم: الباز عبدالإله
كشفت مصادر إعلامية أن الجدل حول سوق المحروقات في المغرب لم يعد مجرد نقاش تقني بين المؤسسات والشركات، بل أصبح مرآة تعكس تعقيد العلاقة بين القرار الاقتصادي وتوازنات النفوذ.
فما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في منطق “السوق الحرة” فقط، بل يطرح تساؤلات أعمق حول مدى انسجام قواعد المنافسة مع واقع الممارسة.
إن الدعوات المطالبة بسحب الملف من مجلس المنافسة لا تعكس فقط مستوى التوتر القائم، بل تفتح نقاشاً مشروعاً حول حدود فعالية الدور الرقابي في قطاع بهذه الحساسية.
فهل يمتلك المجلس فعلاً كل الأدوات الكفيلة بضمان منافسة حقيقية؟ أم أن تعقيد التوازنات داخل السوق يجعل تدخله محدود الأثر مهما كانت نواياه أو صلاحياته؟
لقد تم تقديم “تحرير الأسعار” في سياق سابق كمدخل لتعزيز التنافسية، غير أن الواقع يطرح ملاحظات متعددة، من بينها ما يُوصف بـ “الاستقرار المرتفع للأسعار”، حيث تبدو التغيرات الدولية في بعض الأحيان أقل انعكاساً على السوق الداخلية.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل نحن أمام دينامية سوق طبيعية، أم أمام تركّز اقتصادي يطرح تحديات إضافية على مستوى المنافسة؟
أما ما يُشار إليه بـ “الطوطم”
في إشارة إلى لوحات عرض الأسعار بمحطات الوقود
فيُستخدم هنا كرمز لحالة من الثبات التي تثير انتباه المتتبعين، خصوصاً حين تقارن بتقلبات الأسواق العالمية.
وهو ما يعيد النقاش إلى ضرورة تعزيز الشفافية وفهم آليات تحديد الأسعار بشكل أدق.
وفي هذا السياق، يبرز ملف مصفاة “سامير” كأحد المفاصل الأساسية في نقاش السيادة الطاقية، حيث إن استمرار تجميد أدوارها الاستراتيجية، والاكتفاء بدور المتتبع لتقلبات السوق، لم يعد يُفهم فقط كإكراه تقني، بل يثير تساؤلات لدى الرأي العام حول طبيعة الخيارات المعتمدة في تدبير هذا القطاع الحيوي.
فهل يتعلق الأمر بصعوبات موضوعية، أم بتوازنات اقتصادية تجعل كلفة بعض القرارات أعلى من كلفة استمرار الوضع الحالي؟
إن غياب قدرات تكرير محلية كافية، مقابل الاعتماد شبه الكامل على الاستيراد، يطرح بدوره إشكالية الأمن الطاقي في سياق دولي متقلب، كما يعيد طرح سؤال توزيع الأدوار داخل السوق، وحدود تأثير الفاعلين الكبار فيه.
وفي هذا الإطار، لا يبدو أن الرهان يقتصر على إصدار تقارير جديدة من مجلس المنافسة، بقدر ما يرتبط بمدى قدرة السياسات العمومية على ضمان مسافة واضحة بين القرار الاقتصادي وتقاطعات المصالح.
فالسوق يحتاج إلى قواعد شفافة، كما تحتاج المؤسسات إلى شروط استقلالية حقيقية حتى تؤدي أدوارها بكفاءة.
وفي المحصلة، يظل ملف المحروقات أحد أبرز اختبارات التوازن بين منطق الاستثمار ومتطلبات العدالة الاجتماعية، حيث لا تُقاس نجاعة السياسات فقط بحجم الأرقام، بل بمدى انعكاسها على ثقة المواطن وقدرته الشرائية، في إطار من الوضوح والمساءلة.
