بقلم: الباز عبدالإله
في جلسة وُصفت بالأكثر سخونة، قلب عبد الله بوانو، رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، طاولة النقاش تحت قبة البرلمان المغربي، موجهاً انتقادات مباشرة لرئيس الحكومة عزيز أخنوش، واضعاً الأرقام الرسمية في مواجهة صريحة مع واقع يومي يعيشه المغاربة عنوانه الأبرز: غلاء الأسعار وتآكل القدرة الشرائية في المغرب.
منذ الدقائق الأولى، بدا واضحاً أن مداخلة بوانو لن تمر بشكل عادي.
فبعد إشادة سريعة بالمكاسب الدبلوماسية المرتبطة بقضية الوحدة الترابية، انتقل إلى قلب الموضوع، منتقداً توقيت عرض الحصيلة الحكومية، ومعتبراً أنه يحمل إشارات دخول مبكر في أجواء انتخابية بدل التركيز على ما تبقى من زمن الولاية.
بوانو لم يكتفِ بالنقد العام، بل ذهب أبعد من ذلك، حين تحدث بشكل صريح عن ما وصفه بـ“تدليس في بعض الأرقام الحكومية”، معتبراً أن المؤشرات المقدمة لا تعكس حقيقة الوضع الاقتصادي والاجتماعي، وأن لغة الأرقام لم تعد تقنع المغاربة في ظل واقع تتحكم فيه أسعار اللحوم والمحروقات أكثر من أي نسب أو مؤشرات.
وفي هذا السياق، اعتبر أن منسوب الثقة في العمل الحكومي يعرف تآكلاً واضحاً، مشدداً على أن الثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالنتائج الملموسة، مستحضراً تدخلات ملكية في عدد من الملفات كدليل على وجود اختلالات في التدبير.
وعلى مستوى العلاقة مع المؤسسة التشريعية، قدّم معطيات اعتبرها مقلقة، مشيراً إلى محدودية حضور رئيس الحكومة داخل البرلمان، مقابل عدد كبير من الأسئلة البرلمانية التي لم يتم التفاعل معها، إضافة إلى ضعف تجاوب الحكومة مع مقترحات القوانين، وهو ما اعتبره مؤشراً على خلل في التوازن المؤسساتي.
اقتصادياً، فتح بوانو ملفات حساسة، من بينها صفقات مرتبطة بتحلية المياه والطاقة، معتبراً أن بعضها تم عبر مساطر استثنائية تطرح تساؤلات حول شروط الشفافية والمنافسة.
كما أثار ملف دعم استيراد الأبقار، متسائلاً عن جدوى مليارات الدراهم التي صُرفت، في وقت لا تزال فيه أسعار اللحوم مرتفعة في السوق المغربية.
وفي الشق الاجتماعي، اتخذ الخطاب نبرة أكثر حدّة، حيث ربط بين السياسات الحكومية وارتفاع تكاليف المعيشة، معتبراً أن الفجوة بين الأرقام الرسمية والواقع اليومي أصبحت واضحة، خاصة مع استمرار الضغط على القدرة الشرائية في المغرب.
المداخلة لم تخلُ من توتر، بعدما شهدت الجلسة سجالاً مع رئاسة المجلس بخصوص عرض وثيقة اعتبرها بوانو “عملاً برلمانياً”، في مشهد يعكس احتدام النقاش داخل المؤسسة التشريعية.
غير أن ما كشفته هذه المواجهة يتجاوز مجرد اختلاف في قراءة الأرقام، ليطرح سؤالاً أعمق حول مصداقية الخطاب العمومي، وحول مدى قدرة السياسات الحكومية على عكس الواقع الحقيقي للمغاربة، بدل الاكتفاء بمؤشرات لا تعكس دائماً ما يجري في الأسواق.
وفي ختام مداخلته، قدّم بوانو تقييماً سياسياً صارماً، معتبراً أن الحكومة “خرجت من السباق قبل الوصول”، في إشارة إلى فشلها، حسب تعبيره، في تحقيق التوازن بين الوعود والنتائج.
ويأتي هذا النقاش في سياق تصاعد الجدل في المغرب حول غلاء الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، خاصة مع استمرار ارتفاع أسعار اللحوم والمحروقات، وهو ما يجعل تقييم الحصيلة الحكومية مرتبطاً بشكل مباشر بمدى تأثيرها على الحياة اليومية للمواطنين.
