بقلم: الباز عبدالإله
بـ “رأس مرفوع وضمير مرتاح”، قدم رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، حصيلة ولايته أمام البرلمان اليوم، واصفاً إياها بـ “جواز سفر نحو المستقبل”.
تعبير أنيق سياسياً، يختزل مسار حكومة تقول إنها واجهت الأزمات بالقرارات لا بالأعذار.
غير أن هذا “الجواز”، كما قُدم، يطرح سؤالاً هادئاً في عمقه: هل بدأ مفعوله فعلاً في حياة الناس، أم أنه ما يزال صالحاً للاستعمال داخل التقارير فقط؟
حين تُعرض أرقام من حجم 380 مليار درهم من الاستثمار العمومي، فمن الطبيعي أن تعكس طموحاً اقتصادياً كبيراً.
لكن الاقتصاد، في نهاية المطاف، لا يُقاس فقط بما يُضخ، بل بما يصل.
وبين لحظة الإعلان عن المليارات، ولحظة إحساس المواطن بتحسن فعلي، تبدو المسافة أحياناً أطول مما تقوله المؤشرات.
وفي ملف التشغيل، تحمل الأرقام إشارات إيجابية على مستوى الكم، لكن النقاش العمومي لا يتوقف عند العدد فقط.
فالسؤال الذي يتكرر بهدوء هو: هل هذه الفرص قادرة على منح استقرار حقيقي، أم أنها تظل في بعض الحالات مجرد محطات مؤقتة في مسار بحث طويل عن عمل قار؟
أما الفلاحة، التي استعادت أنفاسها مع تحسن التساقطات، فتذكرنا بأن جزءاً من التوازن الاقتصادي ما يزال مرتبطاً بعوامل خارج الحسابات الحكومية.
وهو معطى لا ينتقص من المجهود المبذول، لكنه يضع أمامه تحدياً إضافياً: كيف يمكن تحويل هذا التحسن الظرفي إلى استقرار دائم؟
سياسياً، يعكس الانسجام بين الحكومة والأغلبية البرلمانية نوعاً من الاستقرار في تدبير المرحلة.
غير أن هذا الانسجام نفسه يطرح، بشكل غير مباشر، سؤالاً حول مدى حيوية النقاش العمومي، وحول قدرة آليات التتبع والمساءلة على مواكبة حجم التحديات المطروحة.
ومع اقتراب المحطة الانتخابية لسنة 2026، لا تبدو هذه الحصيلة مجرد جرد حساب تقني، بل تحمل أيضاً ملامح خطاب سياسي يتجه نحو إقناع الناخبين بجدوى الاستمرارية.
فـ”جواز السفر” هنا لا يحيل فقط على المستقبل، بل يتحول، بشكل غير مباشر، إلى بطاقة عبور نحو ولاية ثانية، تُبنى على رصيد الأرقام والإنجازات المعلنة.
غير أن هذا الطرح يظل محاطاً بنقاش أوسع، خاصة حين تُقارن المؤشرات الحكومية بقراءات مؤسسات وطنية ترصد، في المقابل، تحديات مرتبطة بالقدرة الشرائية وتوازنات الفئات الاجتماعية.
وبين تفاؤل الأرقام وقلق الواقع، تتشكل فجوة هادئة في التلقي، تجعل من الخطاب الاقتصادي أقرب إلى لغة تقنية لا تصل دائماً بنفس الوضوح إلى الحياة اليومية.
وفي هذا السياق، يبرز جانب آخر لا يقل أهمية، يتعلق بطريقة تقديم الحصيلة نفسها.
فبينما تنجح الحكومة في بناء سردية قائمة على الأرقام والمؤشرات، يظل التحدي قائماً في تحويل هذه السردية إلى إحساس جماعي بالتحسن.
ذلك أن قوة الخطاب لا تُقاس فقط بتماسك معطياته، بل أيضاً بمدى قدرته على تقليص المسافة بين “التسويق” و”التجربة المعيشة”.
تبدو الحصيلة كما قُدمت بين صورتين: صورة الأرقام التي تعكس مجهوداً واضحاً، وصورة الانتظارات التي لم تُغلق بعد.
وبينهما، يبقى السؤال الذي سيجيب عنه صندوق الاقتراع: هل سيقبل المواطن بجواز سفر لم يستعمله بعد؟
