لم يعد النقاش حول ما يُعرف بـ”الاستثناء المغربي” يحظى بنفس الإجماع داخل المحافل الدولية، خاصة بعد صدور التقرير السنوي عن منظمة العفو الدولية بعنوان “حالة حقوق الإنسان في العالم 2025”، والذي قدّم تقييماً مفصلاً للوضع الحقوقي بالمملكة، جامعاً بين معطيات قانونية ووقائع ميدانية ومؤشرات اجتماعية واقتصادية.
ووفق ما ورد في التقرير، فإن السلطات واصلت خلال الفترة المشمولة بالتقييم متابعة صحفيين ونشطاء ومدافعين عن حقوق الإنسان بسبب تعبيرهم السلمي، بما في ذلك عبر المنصات الرقمية، مستندة
حسب التقرير إلى مقتضيات قانونية تتعلق بـ“إهانة مؤسسات” أو “نشر معلومات كاذبة”.
ومن بين الحالات التي أوردها، الحكم على الناشط سعيد آيت مهدي بعد انتقاده تدبير تداعيات زلزال الحوز، حيث صدر في حقه حكم ابتدائي بالسجن قبل أن يتم تشديده استئنافياً، إلى جانب إدانة الناشط فؤاد عبد المومني بسبب منشور رقمي، واعتقال الناشطة سعيدة العلمي ومحاكمتها بتهم مرتبطة بنشاطها على الإنترنت.
كما أشار التقرير إلى حالات أخرى، من بينها متابعة الناشطة ابتسام لشكر على خلفية منشور اعتُبر مسيئاً للدين، وإدانة امرأة تعاني من اضطرابات نفسية بتهم مرتبطة بالإساءة إلى النظام العام، إضافة إلى توقيف طلبة وصاحب مطبعة بسبب طباعة شعارات ذات طابع سياسي.
وفي ما يتعلق بحرية التجمع، أفاد التقرير بأن السلطات اعتمدت قانوناً تنظيمياً للإضراب يفرض شروطاً وإجراءات اعتبرتها جهات نقابية وحقوقية مُقيِّدة لممارسة هذا الحق، خصوصاً ما يتعلق بمدة الإشعار المسبق وتعريف “الخدمات الأساسية”، وهو ما أثار نقاشاً حول مدى توافقه مع المعايير الدولية، وهو نقاش يعكس، في العمق، اتساع الفجوة بين الإطار القانوني المعلن وتحديات التطبيق الميداني.
وعلى المستوى الميداني، ربط التقرير بين هذه المتابعات وبين سياق اجتماعي متوتر، حيث شهدت البلاد احتجاجات في عدد من المناطق، خاصة خلال شهر شتنبر، بدعوة من حركات شبابية، من بينها “جيل زد 212”، للمطالبة بتحسين الأوضاع الاجتماعية ومحاربة الفساد. ووفق المصدر نفسه، فقد تدخلت قوات الأمن لتفريق بعض هذه الاحتجاجات، مع تسجيل حالات اعتقال، وأشار التقرير إلى ملاحظات تتعلق بمدى تناسب القوة المستخدمة في بعض الحالات.
وأشار التقرير إلى أن هذه الدينامية الاحتجاجية ترتبط أيضاً بتحديات اقتصادية واجتماعية أعمق، من بينها ارتفاع البطالة في صفوف الشباب، حيث أفادت معطيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بأن نسبة مهمة من الشباب غير منخرطين في التعليم أو الشغل أو التكوين، إضافة إلى تأثيرات الجفاف المستمر على العالم القروي، مع تسجيل نقص في التساقطات وصل إلى ما بين 60 و70%، وانخفاض نسبة ملء السدود إلى مستويات محدودة، وهو ما انعكس على سبل العيش، خاصة لدى الفئات الهشة.
وفي جانب الحقوق الفردية، سجّل التقرير استمرار نقاشات حول بعض التشريعات، من بينها القوانين المتعلقة بالحريات الفردية، وتجريم بعض الممارسات المرتبطة بالحياة الخاصة، إلى جانب الصعوبات التي تواجهها النساء في الولوج إلى خدمات الصحة الإنجابية، بما في ذلك الإجهاض، واستمرار الجدل حول وضعية أفراد مجتمع الميم في ظل مقتضيات القانون الجنائي.
كما تطرّق التقرير إلى مبادرات حكومية، من بينها مشروع إنشاء بنك رقمي للبصمة الجينية، والذي أثار، بحسب المصدر ذاته، مخاوف تتعلق بحماية المعطيات الشخصية وآليات المراقبة.
وفي المقابل، أشار إلى اعتماد إصلاحات تشريعية، خاصة في قانون المسطرة الجنائية، التي تتضمن مقتضيات لتعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وتقليص الاعتقال الاحتياطي، رغم استمرار تسجيل متابعات في قضايا مرتبطة بحرية التعبير.
وعلى مستوى السياسات العمومية، أبرز التقرير أن الحكومة أعلنت، عقب موجة الاحتجاجات، عن إجراءات تهدف إلى الاستجابة لبعض المطالب الاجتماعية، من بينها الرفع من ميزانيتي الصحة والتعليم، وإطلاق برامج لدعم تشغيل الشباب، خاصة في المناطق القروية، إلى جانب وعود بإصلاحات سياسية لتوسيع المشاركة في صنع القرار.
في المقابل، لفت التقرير إلى أن أولويات الإنفاق، بما في ذلك التحضير لاستضافة تظاهرات كبرى مثل كأس العالم 2030، أثارت نقاشاً حول التوازن بين الاستثمار في المشاريع الكبرى والاستجابة للحاجيات الاجتماعية العاجلة، خصوصاً بالنسبة للمتضررين من زلزال الحوز.
وفي ما يتعلق بالبيئة، سجّل التقرير استمرار تداعيات الجفاف المرتبط بتغير المناخ، رغم تسريع مشاريع تحلية مياه البحر، مبرزاً مخاوف من استمرار هشاشة الولوج إلى الموارد المائية لدى بعض الفئات.
كما أشار التقرير إلى استمرار العمل بعقوبة الإعدام في القانون المغربي، مع الإبقاء على وقف تنفيذها منذ سنوات.
في المحصلة، يعكس تقرير 2025 صورة مركبة للوضع الحقوقي بالمغرب، تجمع بين مسار إصلاحي معلن على مستوى النصوص والسياسات، وبين ملاحظات وانتقادات تتعلق بالممارسة والتطبيق.
وبين هذه القراءات المتباينة، يظل التحدي المطروح هو مدى القدرة على تقليص الفجوة بين الإطار القانوني والواقع، بما يعزز الثقة ويؤسس لتوازن فعلي بين منطق الدولة ومتطلبات الحقوق، في سياق لم يعد يحتمل اتساع الهوة بين النص والممارسة.
