عاد سؤال المساواة في المغرب إلى واجهة الشراكة مع الاتحاد الأوروبي، ليس من باب الخطابات العامة، بل من باب التمويل المباشر لمشاريع يفترض أن تشتغل على ما هو أعمق من النصوص القانونية: الثقافة اليومية التي ما زالت تنتج التمييز، وتعيد تدوير الصور النمطية، وتضع النساء والفتيات أمام حواجز لا تظهر دائماً في القوانين، لكنها تحضر بقوة في المدرسة، والأسرة، وسوق الشغل، والإعلام، والرياضة، والفضاء العام.
ففي إعلان رسمي منشور يوم 4 يونيو 2026، أعلنت بعثة الاتحاد الأوروبي بالمغرب عن نداء مشاريع جديد تحت عنوان “تعزيز ثقافة المساواة في المغرب”، بغلاف مالي إجمالي يصل إلى 3.5 ملايين أورو، مخصص لدعم مبادرات تروم التمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء والفتيات، وتقليص الصور النمطية والتمييز، وجعل الرياضة مجالاً للإدماج والمشاركة.
الرقم، في حد ذاته، ليس ضخماً إذا قيس بحجم الأوراش الكبرى التي تعرفها البلاد، لكنه يحمل دلالة سياسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها.
فحين تخصص شراكة دولية تمويلاً لموضوع “ثقافة المساواة”، فهذا يعني أن المشكل لا يوجد فقط في النصوص، ولا في القوانين، ولا في المؤسسات، بل في البنية الاجتماعية التي قد تقبل المساواة كشعار، لكنها تتردد في تحويلها إلى ممارسة يومية.
الإعلان الأوروبي يضع هذا النداء داخل إطار الشراكة الاستراتيجية بين المغرب والاتحاد الأوروبي في قضايا المساواة وحقوق الإنسان، وفي انسجام مع Pacte pour la Méditerranée لسنة 2025، وخطة الاتحاد الأوروبي الثالثة للمساواة بين الجنسين GAP III، وكذا مع التوجهات الكبرى للنموذج التنموي الجديد.
غير أن قوة النداء لا تكمن في هذه الإحالات المؤسساتية فقط، بل في السؤال الذي يفتحه داخل النقاش المغربي: لماذا ما زالت المساواة، بعد دستور 2011 وكل ما تلاه من إصلاحات وخطابات وبرامج، تحتاج إلى مشاريع ميدانية كي تتحول من وعد قانوني إلى واقع اجتماعي؟
هذا السؤال هو جوهر الملف، فالمغرب يتوفر على دستور يتحدث عن المناصفة، وعلى مؤسسات معنية بحقوق الإنسان، وعلى برامج رسمية تستحضر تمكين النساء، وعلى نقاش مفتوح حول مدونة الأسرة، والشغل، والحماية، والعنف، والتمثيلية.
لكن التجربة اليومية تكشف أن جزءاً واسعاً من المعركة لا يُحسم في النصوص وحدها، بل في العلاقات الاجتماعية، وفي توزيع الأدوار داخل الأسرة، وفي شروط الولوج إلى العمل، وفي صورة المرأة داخل الإعلام، وفي نظرة المجتمع إلى حضور الفتيات في الفضاءات العامة والرياضية.
لذلك جاء تقسيم النداء الأوروبي إلى ثلاثة محاور كاشفاً لطبيعة العطب.
المحور الأول يستهدف تقليص الصور النمطية والتمييز والمعايير السوسيوثقافية التي تحد من مشاركة النساء والفتيات. وهذا يعني، ببساطة، أن القانون قد يتغير، لكن المخيال الاجتماعي قد يظل في مكانه، يعيد إنتاج نفس الحدود القديمة بعبارات جديدة.
أما المحور الثاني فيركز على التمكين الاقتصادي والاجتماعي للنساء والفتيات، خصوصاً الموجودات في وضعية هشاشة.
وهنا يصبح النقاش أكثر حساسية، لأن تمكين المرأة لا يعني فقط إطلاق ورشات تكوين أو حملات تواصلية، بل يطرح أسئلة أكثر صلابة: هل تستطيع النساء الولوج إلى سوق الشغل بشروط عادلة؟ هل توجد حماية اجتماعية كافية؟ هل يسمح واقع النقل، والحضانة، والتمويل، والتكوين، والاقتصاد غير المهيكل، بتحويل التمكين إلى استقلال فعلي؟ أم أن جزءاً كبيراً من النساء يظل عالقاً بين خطاب رسمي يتحدث عن المشاركة، وواقع اجتماعي يضع أمامهن كلفة يومية مرتفعة؟
أما المحور الثالث، المتعلق بالرياضة كرافعة للمساواة والإدماج، فيحمل دلالة خاصة داخل بلد يستعد لتنظيم تظاهرات رياضية كبرى، ويراهن على الرياضة كواجهة دولية وصورة حديثة للدولة. فالسؤال هنا لا يتعلق فقط بالملاعب الكبرى والصورة الخارجية، بل بما إذا كانت الرياضة قادرة فعلاً على أن تصبح فضاءً للمشاركة والإنصاف، لا مجرد واجهة براقة تخفي تفاوتات عميقة في الولوج والممارسة والتمثيل.
من هذه الزاوية، لا يبدو التمويل الأوروبي بديلاً عن السياسات العمومية، ولا ينبغي تقديمه كأنه تعويض لدور الدولة.
لكنه يضع الإصبع على مجال ما زال يحتاج إلى تدخلات دقيقة، قريبة من المجتمع، وقابلة للقياس.
فالمساواة ليست شعاراً إدارياً، وليست بنداً جميلاً داخل التقارير، بل مسار يومي طويل يحتاج إلى تغيير السلوك، وإصلاح المؤسسات، وربط الخطاب بالنتائج.
المفارقة أن المغرب، وهو يفتح أوراشاً كبرى في التنمية والحماية الاجتماعية والاستثمار والرياضة، لا يستطيع أن يعزل قضية المساواة عن سؤال النمو نفسه.
فالمرأة التي لا تصل إلى سوق الشغل، أو تغادره مبكراً، أو تظل حبيسة اقتصاد غير مهيكل، ليست مجرد حالة اجتماعية تحتاج إلى دعم، بل طاقة اقتصادية معطلة داخل بلد يبحث عن رفع نسب النشاط، وتوسيع قاعدة الإنتاج، وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي في هذا النداء لن يكون في عدد الجمعيات التي ستستفيد، ولا في حجم الملفات التي ستُقبل، ولا حتى في قيمة الغلاف المالي المعلن.
الرهان سيكون في الأثر: هل ستنتج هذه المشاريع تحولاً ملموساً في حياة النساء والفتيات؟ هل ستصل إلى الفئات الهشة فعلاً؟ هل ستغير شيئاً في المدرسة، والحي، والملعب، ومكان العمل، والخطاب العمومي؟ أم ستتحول، كما حدث في تجارب كثيرة، إلى أنشطة موسمية وورشات عابرة وصور جماعية تنتهي بانتهاء التمويل؟
هنا يوجد الامتحان الحقيقي، لأن المساواة لا تُقاس بعدد البرامج الممولة، ولا بقوة اللغة المستعملة في النداءات، بل بقدرة المجتمع على تحويلها من موضوع مناسباتي إلى سياسة يومية، ومن شعار يردده المسؤولون إلى واقع تلمسه النساء في الشغل، والتعليم، والتنقل، والحماية، والكرامة.
3.5 ملايين أورو قد تفتح باباً جديداً للنقاش، لكنها لن تصنع وحدها التحول.
فالتحول يحتاج إلى دولة لا تكتفي بإنتاج النصوص، وإلى مجتمع لا يختبئ خلف العادات كلما طُرحت حقوق النساء، وإلى سياسات عمومية تقيس النجاح بما يتغير في حياة المواطن، لا بما يُكتب في التقارير.
أما السؤال الذي يظل معلقاً فهو الأكثر إزعاجاً: هل يحتاج المغرب إلى تمويل خارجي كي يواجه الصور النمطية داخله؟ أم إن هذا التمويل يكشف فقط أن معركة المساواة لم تكن يوماً معركة قوانين وحدها، بل معركة ثقافة وسلطة وفرص وكرامة؟
