أعاد الحكم الابتدائي الصادر عن غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالرباط في حق ثلاثة شبان من “جيل Z”، بثماني سنوات سجناً على خلفية اتهامات مرتبطة بإثارة الشغب وقطع الطريق، النقاش مجدداً حول حدود المقاربة الزجرية في التعامل مع انحرافات الشباب، وحول ما إذا كان السجن قادراً فعلاً على الإصلاح، أم أنه قد يتحول في بعض الحالات إلى محطة لإنتاج غضب اجتماعي أكبر.
في هذا السياق، اختار الكاتب والباحث إدريس الكنبوري أن يقرأ الواقعة من زاوية تتجاوز منطوق الحكم، واضعاً الإصبع على سؤال جوهري يتعلق بجدوى السجن في معالجة انحرافات الشباب.
فبحسب ما كتبه على صفحته بموقع فيسبوك، فإن الخطر لا يتوقف عند الحكم في حد ذاته، بل يمتد إلى ما يمكن أن ينتجه السجن بعد سنوات من الاعتقال، حين يخرج شاب أكثر غضباً وسخطاً، وقد يجد في محيطه الاجتماعي قابلية لاستقطاب شباب آخرين نحو مسارات أكثر خطورة.
طرح الكنبوري لا يبرر الشغب، ولا يخفف من خطورة قطع الطريق أو المساس بالأمن العام، لكنه ينقل النقاش من منطق العقوبة وحدها إلى منطق الوقاية قبل الانفجار.
فحين يصل شباب في مقتبل العمر إلى المحاكم بتهم ثقيلة، يصبح من المشروع استحضار سؤال المدرسة، والأسرة، والإعلام، والفضاء الرقمي، والسياسات العمومية الموجهة للشباب.
فالشغب، في جزء منه، ليس فعلاً معزولاً يولد فجأة في الشارع، بل قد يكون نتيجة تراكم طويل من الفراغ، والفشل التربوي، وتراجع سلطة المدرسة، وضعف التأطير، وانهيار النموذج القدوة.
ويرى الكنبوري أن مسؤولية ما وقع لا يمكن حصرها في الشبان أو أسرهم فقط، بل تمتد إلى الدولة حين تفشل مؤسسات التنشئة في أداء دورها.
فالمدرسة التي كانت تُهذب السلوك وتزرع الانضباط فقدت جزءاً من سلطتها المعنوية، ورجل التعليم لم يعد يمتلك المكانة نفسها داخل الفصل، بينما تُرك المجال العام الرقمي مفتوحاً أمام نماذج سطحية تصنع الشهرة دون مسؤولية، وتؤثر في أجيال كاملة أكثر مما تفعل المؤسسات الرسمية.
أهمية هذه القراءة أنها تضع الحكم القضائي داخل سياق اجتماعي أوسع: شباب يدخلون السجن وهم في بداية العمر، لا بوصفهم “مجرمين محترفين”، بل كأبناء بيئة فشلت في احتضانهم وتوجيههم قبل أن تصطدم بهم في الشارع.
وهنا لا يتعلق الأمر فقط بما فعله هؤلاء، بل أيضاً بما فعلته المدرسة والإعلام والسياسات العمومية حتى لا يصلوا إلى هذه اللحظة.
واستحضر الكنبوري في تدوينته عبارة منسوبة للمحامي والسياسي محمد زيان، مفادها أن نجاح سياسة الدولة يظهر حين لا تضطر إلى إدخال المواطنين إلى السجن، أما حين يصبح الاعتقال هو الجواب، فذلك يكشف فشل حلقات سابقة كان يفترض أن تمنع الوصول إلى لحظة العقاب.
وهي فكرة تلخص جوهر النقاش: الأمن ضروري، لكن الأمن وحده لا يصنع مواطناً متوازناً، ولا يعالج جذور الانحراف إذا ظلت المدرسة ضعيفة، والإعلام مستسلماً للترفيه الفارغ، والفضاء الرقمي بلا بوصلة.
الحكم، باعتباره ابتدائياً، يبقى قابلاً لما تتيحه المساطر القانونية من طعن، لكن النقاش الذي فجره يتجاوز مصير ثلاثة شباب إلى سؤال أكبر: كيف نتعامل مع جيل غاضب، سريع التأثر، قليل التأطير، يعيش بين مدرسة منهكة، وشارع قاسٍ، وهاتف يصنع له أبطاله الوهميين كل يوم؟
لا يمكن لأي دولة أن تنتصر على انحراف الشباب بالسجون وحدها. العقوبة قد توقف الفعل، لكنها لا تضمن إصلاح الجذور.
الإصلاح الحقيقي يبدأ قبل المحكمة: في القسم، وفي الحي، وفي الإعلام، وفي الأسرة، وفي سياسة عمومية ترى في الشباب طاقة يجب تأطيرها، لا ملفاً يُحال على القضاء بعد فوات الأوان.
