بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد الجدل حول أسعار اللحوم في المغرب محصوراً في تقلبات السوق، أو كلفة الأعلاف، أو تداعيات الجفاف، بعدما انتقل النقاش إلى منطقة أكثر حساسية، تتعلق بكيفية تدبير الدعم العمومي الموجه لاستيراد الماشية، ومن استفاد منه فعلياً، وما إذا كان أثره قد وصل إلى جيوب المواطنين، أم توقف عند حلقات محددة داخل سلسلة الاستيراد والتوزيع.
كشفت صحيفة “صوت المغرب”، استناداً إلى كتاب أصدره عبد الله بووانو، النائب البرلماني ورئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، تحت عنوان “أزمة القطيع الوطني: من دعم الإنتاج الداخلي إلى ريع الاستيراد”، عن معطيات مثيرة بخصوص السياسة الحكومية المعتمدة بين سنتي 2022 و2025 في ملف دعم استيراد الماشية، وهي معطيات يقدمها صاحب الكتاب باعتبارها مؤشرات على اختلالات عميقة في توجيه المال العام.
الكتاب، الذي أثار جدلاً داخل المؤسسة التشريعية خلال مناقشة حصيلة الحكومة، لم يقف عند حدود الانتقاد السياسي العام، بل قدم أرقاماً وجداول ومعطيات محاسباتية يعتبرها بووانو دليلاً على أن الدعم لم يحقق الهدف المعلن، أي خفض أسعار اللحوم وحماية القدرة الشرائية، بل تحول، بحسب خلاصاته، إلى آلية أنتجت هوامش ربح مرتفعة لفائدة بعض المستوردين.
وحسب المعطيات التي أوردها الكتاب، فإن عملية استيراد النعاج الموجهة للذبح تكشف مفارقة لافتة؛ إذ تصل تكلفة الشراء في المثال المعروض إلى 594 درهماً للرأس، بينما يمنح الدعم العمومي 500 درهم، ما يجعل التكلفة الصافية التي يتحملها المستورد من ماله الخاص في حدود 94 درهماً فقط.
وعند البيع بسعر 2500 درهم، يصل هامش الربح الصافي، وفق الحسابات المقدمة، إلى 2406 دراهم للرأس الواحدة.
وتعتبر الوثيقة أن الدعم العمومي يغطي فعلياً حوالي 84 في المائة من ثمن الشراء، بما يجعل العائد الاستثماري، في بعض العمليات، يتجاوز مستويات غير مألوفة في الأنشطة التجارية العادية.
وهي أرقام تضع أثر الدعم على السعر النهائي أمام محك صعب، خاصة أن المواطن ظل يواجه أسعاراً مرتفعة في الأسواق.
وفي مثال ثان يتعلق باستيراد الخرفان الموجهة للذبح، يعرض الكتاب تكلفة شراء قدرها 2106 دراهم، وبعد خصم دعم بقيمة 500 درهم، تصبح التكلفة الصافية 1606 دراهم، قبل إضافة تكاليف الشحن والنقل والحظيرة المقدرة بـ100.8 درهم، ليصل مجموع التكلفة إلى 1706.8 درهم.
وعند البيع بسعر 3350 درهماً، يصل هامش الربح، حسب الوثيقة، إلى 1643.2 درهماً للرأس، وهو ما يعتبره بووانو هامشاً يتجاوز 108 في المائة من التكلفة الفعلية للاستيراد.
هذه الأرقام، إن صحت تفاصيلها كاملة، تنقل الملف من مستوى الدعم كإجراء اجتماعي ظرفي إلى مستوى آخر يرتبط بحكامة الدعم نفسه: من صاغ شروطه؟ من استفاد؟ ومن راقب أثره في السوق؟ فالدعم العمومي، في الأصل، يفترض أن يكون جسراً نحو المستهلك، لا سلماً لمراكمة هوامش ربح معزولة عن الهدف الاجتماعي المعلن.
الجانب الأكثر حساسية في الكتاب يتمثل في ما أورده بشأن الصفة السياسية لبعض المستفيدين أو المرتبطين بالملف، حيث يعرض جدولاً بأسماء مرموزة فقط، مرفوقة بصفات من قبيل: نائب برلماني ورئيس جماعة، نائب برلماني، نائب برلماني وعضو مكتب سياسي، نائب برلماني سابق، رئيس جماعة، مستشار برلماني، ومدير إقليمي لحزب.
ورغم أن الوثيقة لا تكشف الأسماء كاملة في الجدول المعروض، فإن مجرد الجمع بين مواقع التمثيل السياسي أو التدبير الترابي وبين الاستفادة من دعم عمومي يفتح نقاشاً واسعاً حول تضارب المصالح.
ووفق ما أورده بووانو، فإن الأمر لا يتعلق فقط باستفادة تجارية عادية، بل بوضعية يلتقي فيها النفوذ السياسي بالمعلومة وبإمكانية الولوج إلى الامتياز العمومي.
وهنا تصبح المسألة أكبر من أرقام الاستيراد، لأنها تمس الثقة في قواعد المنافسة، وفي قدرة الدولة على ضمان مسافة واضحة بين من يساهم في توجيه السياسات ومن يستفيد من نتائجها.
ويشير الكتاب أيضاً إلى ما يعتبره “هندسة” لشروط الاستفادة، من خلال دفاتر تحملات ومساطر تقنية يرى أنها لم تكن محايدة بما يكفي.
ومن بين النقط التي أثارها فرض إيداع الملف قبل خمسة أيام من تاريخ الشحن، واشتراط وثائق من قبيل الفاتورة المبدئية، وهي شروط يعتبر صاحب الكتاب أنها منحت أفضلية لمن كان يملك المعلومة والاستعداد المسبق، مقابل إضعاف حظوظ الفاعلين الصغار أو غير المرتبطين بدوائر التأثير.
ولا يقف الملف عند المستفيدين المباشرين، بل يمتد إلى تطور بنية الشركات الداخلة إلى سوق الاستيراد.
فحسب جدول مرفق بالكتاب، عرف عدد الشركات ذات الصلة بمجال الاستيراد والتصدير قفزة واضحة خلال سنتي 2023 و2024، حيث بلغ عددها 60 شركة في هذه الفترة وحدها، مقابل 32 خلال 2021 و2022، و31 قبل سنة 2020.
وبذلك يصل مجموع الشركات المصنفة في خانة الاستيراد والتصدير إلى 123 شركة.
وتبرز الأرقام نفسها أن شركات أخرى تنتمي إلى مجالات تربية وتسمين المواشي، وتجارة الأعلاف، وتجارة المعدات الفلاحية، ومجالات مختلفة، دخلت بدورها ضمن الخريطة، بما يجعل بووانو يعتبر أن موجة من التأسيس أو تعديل الأنظمة الأساسية للشركات تزامنت مع توسع الدعم العمومي.
وهو ما يدفع، بحسب القراءة التي يقدمها الكتاب، إلى إعادة النظر في طبيعة هذه الدينامية: هل كانت مهنية فعلاً، أم أن الدعم خلق جاذبية خاصة دفعت فاعلين إلى تغيير أنشطتهم للالتحاق بفرصة مربحة؟
في المقابل، يرتبط جوهر القضية بالنتيجة التي لمسها المواطن في الأسواق.
فإذا كان الهدف من الدعم هو خفض أسعار اللحوم أو الحد من ارتفاعها، فإن استمرار الغلاء يضع السياسة العمومية أمام اختبار الفعالية.
فالمواطن لا يقرأ دفاتر التحملات ولا يطلع على لوائح المستوردين، لكنه يقيس نجاح القرار العمومي من ثمن الكيلوغرام عند الجزار، ومن قدرته على إدخال اللحم إلى بيته دون أن يتحول ذلك إلى عبء أسبوعي ثقيل.
ما يطرحه كتاب بووانو ليس مجرد سجال عابر بين معارضة وحكومة، بل ملف يحتاج إلى توضيح مؤسساتي دقيق.
فإذا كانت المعطيات دقيقة، فالأمر يستدعي افتحاصاً لمسارات الدعم ولوائح المستفيدين وأثره الفعلي على الأسعار.
وإذا كانت الحكومة أو الجهات المعنية تتوفر على معطيات مخالفة، فإن الرأي العام يحتاج إلى نشرها بوضوح، لأن الصمت في مثل هذه الملفات لا يبدد الشكوك، بل يتركها تكبر.
القضية لم تعد مرتبطة بالخروف وحده، بل بطريقة تدبير المال العام حين يُقدَّم الدعم باسم حماية القدرة الشرائية، بينما تستمر الأسعار في إنهاك الأسر.
وبين أرقام الكتاب وغياب توضيحات رسمية مفصلة، يجد المواطن نفسه أمام معادلة مربكة: دعمٌ خرج من المال العام، وأسعارٌ بقيت فوق طاقته، ولوائحُ مستفيدين تحتاج إلى كشف أوضح يعيد النقاش إلى مربعه الحقيقي: من استفاد، وبأي شروط، ولماذا لم ينعكس الدعم على السوق كما كان منتظراً؟
