لم تكن كلمة عبد الإله ابن كيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، خلال المهرجان الخطابي المنظم بمناسبة اليوم العالمي للعمال، مجرد خطاب نقابي عابر في محطة فاتح ماي، بل بدت أقرب إلى إعلان سياسي مفتوح، جمع فيه الرجل بين الدفاع عن الفئات الهشة، واستعادة رواية حزبه لما جرى في انتخابات 2021، وتوجيه رسائل مباشرة إلى الحكومة وبعض النقابات وخصومه السياسيين، مع وضع انتخابات 23 شتنبر 2026 في قلب التعبئة المقبلة.
كشفت كلمة ابن كيران، التي نشرها الموقع الرسمي لحزب العدالة والتنمية ضمن تغطية فعاليات فاتح ماي، عن محاولة واضحة لإعادة ربط الخطاب الاجتماعي للحزب بسؤال السياسة والانتخابات.
فمنذ اللحظات الأولى، اختار الأمين العام لـ“المصباح” أن يدخل إلى خطابه من زاوية تبدو بسيطة، لكنها محملة بالدلالات، حين تحدث عن ظروف استقبال الحاضرين في التجمعات النقابية، مستحضراً واقعة سابقة قال إنه ظل خلالها واقفاً تحت المطر إلى جانب العمال والمتعاطفين.
ومن هذا المدخل، أطلق ابن كيران عبارته التي تحولت إلى مفتاح خطابه: “باش تدافع على الناس خاص تكون عندك الكبدة عليهم”.
وهي عبارة لم يوردها في سياق عاطفي فقط، بل ربطها بجوهر العمل النقابي كما يتصوره، معتبراً أن الدفاع عن العمال والأجراء لا يبدأ بالشعارات الكبيرة، بل بالإحساس الحقيقي بمعاناة الناس، وباحترام كرامتهم، وتوفير أبسط شروط حضورهم في الفضاءات العامة، من مكان الجلوس إلى الحماية من الشمس أو المطر.
غير أن هذا المدخل الاجتماعي سرعان ما تحول إلى نقد سياسي واضح لأداء بعض النقابات، بعدما تساءل ابن كيران عن دور تنظيمات قال إنها ابتعدت عن وظيفتها الأصلية في الدفاع عن الأجراء، قبل أن يلمح إلى مواقف سياسية سابقة اعتبر أنها ساهمت في إضعاف حزب العدالة والتنمية.
ولم يكتف الأمين العام للحزب بالحديث عن النقابة كجهاز مطلبي، بل ربطها بالصدق، والاستقلالية، والالتزام الأخلاقي، معتبراً أن “الكبدة على الناس” لا يمكن أن تنفصل عن الممارسة اليومية.
في العمق، كان خطاب فاتح ماي مناسبة لإعادة تثبيت السردية السياسية التي يكررها ابن كيران منذ عودته إلى قيادة الحزب.
فالعدالة والتنمية، في قراءته، لم يسقط انتخابياً بسبب فشل شعبي مباشر، بل نتيجة ما يصفه بـ“المؤامرة” التي أنزلت الحزب من المرتبة الأولى إلى المرتبة الثامنة في انتخابات 2021.
غير أن اللافت في خطاب هذه السنة أن ابن كيران قدّم هذا السقوط باعتباره مرحلة عابرة، مؤكداً أن الحزب “يعيد ارتقاء المدارج” في اتجاه المكانة التي يعتبرها مناسبة له.
ولم يخف ابن كيران أن رهانه المقبل يتجاوز مجرد الحضور الرمزي في الساحة السياسية، إذ ربط بين التسجيل في اللوائح الانتخابية، والتصويت يوم 23 شتنبر 2026، وإمكانية تغيير طبيعة الحكومة المقبلة.
هنا انتقل الخطاب من لغة فاتح ماي النقابية إلى لغة التعبئة الانتخابية المباشرة، حين خاطب الحاضرين بأن التصفيق وحده لا يغير موازين السياسة، وأن “القرطاسة” الحقيقية، بتعبيره، هي يوم الاقتراع.
الرسالة الاجتماعية كانت حاضرة بقوة أيضاً.
فقد وعد ابن كيران، في حال عودة حزبه إلى رئاسة الحكومة، بمراجعة ملفات أثارت جدلاً واسعاً في السنوات الأخيرة، من بينها الساعة الإضافية، وسقف السن المحدد في مباريات التعليم، ونظام المؤشر المعتمد في الاستفادة من الدعم الاجتماعي.
وقدّم هذه الملفات باعتبارها عناوين لسياسات مست فئات واسعة من المواطنين، خصوصاً الطلبة، والأسر الهشة، والفئات محدودة الدخل.
وفي واحدة من أكثر فقرات الخطاب حساسية، ميز ابن كيران بين من يتقاضون أجوراً متوسطة أو مرتفعة نسبياً، وبين من “لا يجد شيئاً”، معتبراً أن الأولوية الاجتماعية ينبغي أن تتجه إلى الفقراء والمستضعفين قبل غيرهم.
هذه الزاوية تكشف أن الأمين العام للعدالة والتنمية يحاول إعادة تموقع خطابه داخل المجال الاجتماعي، بعدما ظل الحزب لسنوات متهماً من طرف خصومه بأنه تحمل مسؤولية قرارات صعبة في مرحلة حكومية سابقة.
كما خصص ابن كيران حيزاً واسعاً للحديث عن الدين والسياسة، رافضاً الانتقادات التي تتهم حزبه بخلط المجالين، ومعتبراً أن السياسة، بحكم ارتباطها بالمال العام ومصالح الأمة، هي أكثر المجالات حاجة إلى القيم والمرجعية الأخلاقية. وفي هذا السياق، عاد إلى التأكيد على مركزية المرجعية الإسلامية في خطابه السياسي، لكنه قدمها هذه المرة في سياق الدفاع عن النزاهة، والصدق، والعدل، لا فقط كشعار هوياتي.
ولم يغب البعد الشخصي عن الخطاب.
فقد رد ابن كيران على منتقديه بلهجة حادة أحياناً، خصوصاً حين تحدث عن نسبه العائلي من جهة الأب والأم، وعن الهجمات التي قال إنها تستهدفه شخصياً.
غير أن الأهم سياسياً في هذه الفقرة أنه حاول تحويل شخصه إلى رمز لفكرة أكبر، حين قال إن عبد الإله ابن كيران ليس مجرد فرد، بل “مبدأ ومشروع ومقاربة”، موجهاً رسائل إلى قواعد حزبه بضرورة الاستمرار حتى بعد غيابه الطبيعي أو السياسي.
خطاب فاتح ماي، بهذا المعنى، لم يكن خطاباً نقابياً خالصاً، ولا خطاباً انتخابياً صرفاً، بل كان مزيجاً من الاثنين: دفاع عن العمال والفئات الهشة من جهة، ومحاولة لإعادة شحن القاعدة الحزبية من جهة ثانية.
وقد ظهر ابن كيران حريصاً على القول إن العدالة والتنمية ما زال يملك خطاباً، وجمهوراً، وقدرة على خلق الحدث، رغم آثار هزيمة 2021 وما تلاها من ارتباك تنظيمي وسياسي.
ما يمكن استخلاصه من هذه الكلمة أن ابن كيران لم يعد يتحرك فقط بمنطق التعليق على الحكومة، بل بمنطق الاستعداد لمعركة سياسية مقبلة.
فهو يضع ملفات اجتماعية واضحة على الطاولة، ويعيد بناء جسور التعبئة مع القواعد، ويقدم حزبه كبديل أخلاقي واجتماعي، في مقابل حكومة ينتقد ضمنياً طريقة تعاملها مع الفئات الضعيفة.
وبين لغة الوعظ السياسي، ونبرة الزعيم العائد، ورسائل فاتح ماي الاجتماعية، بدا ابن كيران وكأنه يعلن أن “المصباح” يريد مغادرة موقع الدفاع إلى موقع المبادرة.
أما الامتحان الحقيقي فلن يكون في حرارة الهتافات داخل المهرجانات، بل في قدرة الحزب على تحويل هذا الزخم الخطابي إلى ثقة انتخابية منظمة، يوم يجد المغاربة أنفسهم أمام صناديق الاقتراع.
