بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن خطاب فاتح ماي 2026 مجرد محطة عابرة في رزنامة العمل النقابي، بل بدا لحظة كاشفة لعمق الارتباك الذي يطبع علاقة ثلاثية معقدة بين الحكومة والنقابات والمواطن.
فالخطاب الذي ألقاه الميلودي المخارق، الأمين العام للاتحاد المغربي للشغل، وضع ملف الغلاء وتدهور القدرة الشرائية في واجهة النقاش، لكنه أعاد في الوقت نفسه طرح سؤال أوسع: هل تكفي قوة الخطاب في مناسبة سنوية لترميم آثار سنة كاملة من الضغط المعيشي؟
ما يعيشه المغاربة اليوم لا يبدو مجرد موجة أسعار عابرة أو تعثر تقني في الحوار الاجتماعي، بل هو أزمة ثقة تتصل بطريقة تدبير الملفات الاجتماعية الكبرى.
ففي الوقت الذي تفضل فيه الحكومة لغة المؤشرات والتوازنات المالية، يجد الأجراء والموظفون والطبقات المتوسطة والهشة أنفسهم أمام واقع يومي أكثر قسوة، حيث ترتفع كلفة العيش بوتيرة أسرع من قدرة الأجور على الصمود.
في خطابه أمام مناضلات ومناضلي الاتحاد المغربي للشغل بالدار البيضاء، وجّه المخارق رسائل حادة إلى الحكومة، منتقداً استمرار تدهور القدرة الشرائية واتساع رقعة الغلاء، ومعتبراً أن الوضع الاجتماعي بلغ مستويات مقلقة.
كما شدد على أن التضخم لم يعد مجرد رقم اقتصادي، بل تحول إلى أزمة تمس الكرامة المعيشية للمواطنين.
ودعا الاتحاد، من خلال الخطاب ذاته، إلى زيادات فورية في الأجور، وتفعيل السلم المتحرك للأجور والأسعار، باعتباره آلية لحماية القدرة الشرائية من التآكل المستمر.
كما طالب بوضع حد لما وصفه بتغول الشركات المسيطرة على الأسواق، خاصة في قطاع المحروقات، الذي ظل خلال السنوات الأخيرة واحداً من أكثر الملفات حساسية في النقاش العمومي.
ولم تتوقف مطالب الاتحاد عند الجانب الأجري، بل امتدت إلى الدعوة لإصلاحات ضريبية عميقة، تشمل مراجعة الضريبة على الدخل، وإقرار ضريبة على الثروة والأرباح الاستثنائية، مع إعادة تشغيل مصفاة “لاسمير” كخيار استراتيجي لتعزيز الأمن الطاقي الوطني وتخفيف كلفة المحروقات.
كما حذر من أي رفع للدعم عن المواد الأساسية دون بدائل اجتماعية واضحة تحمي الفئات الهشة والمتوسطة.
غير أن قوة هذه المطالب تطرح سؤالاً موازياً حول قدرة العمل النقابي على تحويل الخطاب إلى فعل مؤثر على مدار السنة.
فالمطالب المتعلقة بالأجور والمحروقات والتقاعد والعدالة الضريبية ليست جديدة، لكنها تعود في كل فاتح ماي بالحدة نفسها تقريباً، فيما يظل أثرها محدوداً في مسار السياسات العمومية.
وهنا يظهر نوع من التعايش البارد بين حكومة تميل إلى تدبير الملفات بمنطق الأرقام، ونقابات تجد نفسها أحياناً محصورة في موقع التنبيه والاحتجاج.
هذا التعايش لا يعني غياب الصراع الاجتماعي، لكنه يكشف حدود الوساطة النقابية في لحظة يتزايد فيها الضغط على الأجراء.
فالمواطن الذي يواجه أسعار المحروقات والمواد الأساسية وارتفاع كلفة الخدمات لا ينتظر فقط خطاباً قوياً، بل ينتظر نتائج ملموسة في الأجر، والحماية الاجتماعية، وجودة الخدمات، وضمانات التقاعد.
وفي ملف الحوار الاجتماعي، انتقد المخارق ما اعتبره تعثراً في المسار وتحوله إلى آلية محدودة الأثر، معتبراً أن الحكومة لم تلتزم بعدد من الاتفاقات السابقة.
وطالب بمأسسة الحوار القطاعي بشكل دائم وفعال، بما يسمح بمعالجة الاختلالات البنيوية داخل الوظيفة العمومية والقطاعات الحيوية، بدل الاكتفاء بجولات موسمية تنتهي غالباً ببيانات أكثر مما تنتهي بقرارات حاسمة.
أما في ملف التقاعد، فقد جدد الاتحاد رفضه لأي إصلاحات تقوم على منطق محاسباتي ضيق، سواء تعلق الأمر برفع سن التقاعد أو تقليص المعاشات أو تحميل الأجراء كلفة اختلالات لم يكونوا وحدهم مسؤولين عنها. واعتبر أن أي إصلاح حقيقي يجب أن يقوم على العدالة الاجتماعية وضمان العيش الكريم للمتقاعدين، لا على البحث عن توازنات مالية على حساب الفئات النشيطة والمتقاعدة.
كما أثار الخطاب النقابي مسألة التحولات الجديدة في عالم الشغل، خصوصاً زحف الرقمنة والذكاء الاصطناعي وما قد يترتب عنه من تهديد لمناصب العمل.
ودعا الاتحاد إلى وضع إطار قانوني يحمي الأجراء من آثار هذه التحولات، ويجعل التكوين المستمر حقاً مكتسباً لا امتيازاً ظرفياً، حتى لا تتحول التكنولوجيا إلى عامل إضافي لتعميق الهشاشة داخل سوق الشغل.
في البعد السياسي والوطني، جدد الاتحاد المغربي للشغل مواقفه المعروفة من القضايا الوطنية، مؤكداً دعمه للسيادة المغربية على كامل التراب الوطني، ومشيداً بالدبلوماسية المغربية، إلى جانب التعبير عن تضامنه مع الشعب الفلسطيني ورفضه لكل أشكال التطبيع، والدعوة إلى رفع الحصار عن غزة وإنهاء معاناة المدنيين.
بهذا المعنى، لم يكن خطاب فاتح ماي مجرد مناسبة للاحتجاج الرمزي، بل كان مناسبة لإعادة طرح سؤال أعمق: من يملك اليوم القدرة على الدفاع الفعلي عن الأجير؟ الحكومة تقول إنها تحافظ على التوازنات، والنقابات تقول إنها تدافع عن القدرة الشرائية، لكن المواطن يقيس كل ذلك بسعر القفة، وفاتورة المحروقات، وكلفة العلاج، ومستقبل التقاعد.
السلم الاجتماعي الحقيقي لا يصنعه هدوء الواجهات ولا تكفيه المؤشرات العامة، بل يحتاج إلى إحساس ملموس بالعدالة في توزيع الأعباء والفرص.
وإذا استمرت الحكومة في الاكتفاء بلغة الأرقام، واستمرت النقابات في الاكتفاء برفع سقف الخطاب خلال المناسبات الكبرى، فإن المسافة بين المؤسسات الاجتماعية والمواطن ستتسع أكثر، في وقت لم يعد فيه الناس يطلبون الكثير: فقط عملاً كريماً، أجراً منصفاً، وخبزاً لا تلتهمه الأسعار قبل أن يصل إلى المائدة.
