بقلم: الباز عبدالإله
كشفت مصادر مهنية أن المصادقة على تعيينات المناصب العليا في المجلس الحكومي الأخير حملت اسماً أثار من الأسئلة أكثر مما قدم من إجابات، في وقت تنشغل فيه الأوساط السياسية بحسابات نهاية الولاية الحكومية واقترابها من خطها الأخير.
فتعيين يوسف مفلح عميداً لكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بعين السبع بالدار البيضاء، لم يمر كحدث إداري روتيني، بل تحول إلى مرآة تعكس تداخل “الجبة الأكاديمية” بـ“الوشاح الحزبي” في لحظة زمنية لا تقبل الكثير من حسن النية الإداري.
ليس من قبيل الصدفة القانونية أن يمر التعيين عبر مسطرة الفصل 92 من الدستور، غير أن المعطى الذي استوقف متتبعين يكمن في هندسة المشهد وتطابق الألوان؛ فوزير التعليم العالي، عز الدين الميداوي، زكّى اسماً لا يتقاسم معه فقط “هموم البحث العلمي”، بل يتقاسم معه الانتماء لبيت سياسي واحد، هو حزب الأصالة والمعاصرة.
وهنا، لا يحتاج المرء لجهد كبير ليتذكر أن العميد الجديد ليس مجرد أستاذ باحث معزول عن المجال العام، بل هو فاعل ميداني بامتياز؛ مرشح سابق للحزب في انتخابات 2021، وعضو بمجلس جهة الدار البيضاء-سطات، ورئيس لإحدى لجانه الحيوية، وهو ما يطرح إشكالاً لا يمكن القفز عليه: أين تنتهي حدود الاستحقاق العلمي لتبدأ مساحة القراءة السياسية للتعيين؟
المثير للتأمل في نفس الجلسة الحكومية هو التباين في “بروفايلات” التعيينات، بما يضع علامات استفهام حول المعايير المعتمدة.
فبينما بدت تزكية محمد طارق بشير على رأس مديرية الخزينة، وعبد العزيز بلفقيه في مكتب الملكية الصناعية، أقرب إلى تتويج مسار تقنوقراطي من داخل الإدارة وبمنطق الاستمرارية، جاء تعيين عميد كلية عين السبع ليفتح باب التأويل حول طبيعة الحضور الحزبي داخل مؤسسات يُفترض أن تكون قلاعاً للحيدة والاستقلال.
فالجامعة، في جوهرها، فضاء لإنتاج الفكر لا لإعادة إنتاج التوازنات الحزبية، وعندما يصبح “الكرسي الأكاديمي” محطة في مسار فاعل حزبي، فإن التوجس لا يطال الشخص في حد ذاته، بل يطال المسطرة التي سمحت بهذا التداخل في توقيت سياسي حساس يسبق إعادة ترتيب الأوراق الانتخابية.
وإذا كان المدافعون عن القرار سيتحدثون بلغة المساطر والمؤهلات والحق في الانتماء، وهي لغة قانونية سليمة لا غبار عليها، فإن السياسة لا تُقرأ دائماً من زاوية النصوص وحدها، بل من خلال الأثر الذي تتركه القرارات في الرأي العام.
فالصورة التي تصل اليوم هي صورة جامعة تحاول بصعوبة فك الارتباط مع الأجندات السياسية الضيقة، بينما تصر بعض الوقائع على خلط الأوراق في لحظة تزداد فيها حساسية التعيينات العمومية مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية.
إن حماية حرمة الجامعة تبدأ من إبعادها عن أي شبهة تسييس للمناصب العليا.
قد يكون يوسف مفلح الأكاديمي الأنسب للمنصب، وقد تكون كفاءته هي الدافع الوحيد وراء هذا الاختيار؛ لكن حين يختلط اللون الحزبي بالتوقيت الحكومي وبالموقع الانتخابي، يصبح من الصعب إقناع الرأي العام بأن ما جرى مجرد تداول إداري تقني.
وبين أسوار كلية عين السبع، ستظل صورة هذا التعيين مفتوحة على أكثر من قراءة: بين من يراه مساراً عادياً للكفاءة، ومن يقرأه كإشارة سياسية في زمن تقترب فيه الولاية الحكومية من خطها الأخير.
