بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد السجال الأخير بين رئيس الحكومة الأسبق عبد الإله بنكيران والداعية محمد الفيزازي مجرد خلاف عابر، بل تحول إلى مرآة كاشفة للسقوط في فخ “اللقطة” على حساب جوهر النقاش العمومي.
فحين تتراجع لغة الحجة وتفسح المجال للعبارات المثقلة بالاتهامات الشخصية، نصبح أمام مشهد يقتات على الإثارة ويُضعف الإقناع، حيث يتم استدعاء الرموز الدينية والدستورية، بما فيها مقام “إمارة المؤمنين”، في غير سياقها الطبيعي داخل سجال شخصي محدود لا يخدم في النهاية سوى الضجيج الرقمي.
هذا الانزلاق يكشف أزمة أعمق داخل المجال العام، حيث أصبح بعض الفاعلين ينجذبون، بوعي أو بدونه، نحو قاموس “الصدمة” لضمان حضور سريع في “التريند”، ولو كان الثمن إضعاف وقار المؤسسات التي يمثلونها أو سبق لهم أن مثلوها.
فالكلمة في السياسة ليست تفصيلاً عابراً، بل جزء من أخلاق المسؤولية، خصوصاً حين تصدر عن وجوه راكمت حضوراً طويلاً في المشهد العام، وكانت في لحظات معينة جزءاً من تدبير الشأن العمومي أو التأثير فيه.
والمفارقة المؤلمة أن هذا الصراع حول تفاصيل الصلاة والنسب والرسائل الشخصية يقع في واد، بينما هموم المواطن المغربي تقع في واد آخر تماماً.
فبينما ينشغل الطرفان بمبارزة كلامية لا تنتهي، يواجه المواطن تحديات حارقة تتعلق بالأسعار، والشغل، والصحة، والتعليم، ولا يجد في هذا الضجيج مشروعاً سياسياً ولا رؤية إصلاحية، بل يجد نفسه أمام مشهد يستهلك الرموز دون أن ينتج جواباً واحداً عن قضاياه اليومية.
إن استبدال النقاش البرامجي بمنطق المشادات لا يضعف الثقة في أطراف السجال فحسب، بل يضعف الثقة في العمل العام ككل، ويحوّل الديمقراطية من تمرين ناضج لبناء المستقبل إلى ساحة للمواجهات اللفظية الجارحة.
فالسياسة، في أسمى معانيها، ليست قدرة على إطلاق العبارات القاسية، ولا مهارة في جرح الخصم أمام الجمهور، بل مسؤولية في اختيار الكلمات، وقدرة على الاختلاف دون السقوط في تحقير الأشخاص أو استهلاك الرموز الجامعة في معارك هامشية.
وفي المقابل، فإن الرد على الانفعال بانفعال أشد لا يرفع من قيمة النقاش، بل يضاعف خسائره.
فالدفاع عن النفس أو تصحيح موقف أو تفنيد اتهام لا يحتاج بالضرورة إلى لغة جارحة.
بل إن الرد الهادئ، حين يكون مؤسساً على الحجة، يكون غالباً أقوى من الرد الغاضب، لأن الجمهور قد ينسى تفاصيل السجال، لكنه يتذكر دائماً من حافظ على قدر من الاتزان حين فقد الآخرون أعصابهم.
هنا تبرز حساسية استدعاء إمارة المؤمنين في مثل هذه الخصومات.
فهذه المؤسسة، بما تحمله من رمزية دينية ودستورية، لا ينبغي أن تتحول إلى عنصر في سجال شخصي أو حزبي.
كما أن أي نقاش مرتبط بخيارات دينية أو رمزية يجب أن يظل محكوماً بالاحترام والوعي بثقل الكلمات.
فالخلط بين انتقاد شخص بعينه وبين توسيع الدائرة إلى رموز جامعة قد يخلق التباساً غير مفيد، ويدفع النقاش إلى مستويات لا تخدم لا الدين ولا السياسة.
لقد وصل النقاش، في هذه الواقعة، إلى مستوى يفرض التوقف لا عند الأشخاص فقط، بل عند الثقافة السياسية التي تسمح بهذا التراجع.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في مجرد عبارات عابرة أو ردود أفعال غاضبة، بل في أن يتحول هذا التراجع في لغة النقاش إلى أمر مألوف داخل الحياة العامة. فحين يتم تطبيع العنف اللفظي واستعمال التفاصيل الشخصية كأدوات للصراع، ينسحب العقلاء من المشهد، ويُفتح الباب واسعاً أمام جيل جديد قد يرى في “الضجيج” معياراً للنجاح، وفي “الشعبوية” طريقاً مختصراً للوصول.
وما نحتاجه اليوم هو مراجعة عميقة لأخلاقيات الخطاب، تعيد للاختلاف هيبته وللمؤسسات وقارها؛ فالدول لا تستمد قوتها فقط من مؤشراتها الاقتصادية، بل أيضاً من رقي نقاشها العمومي، وقدرة فاعليها على الارتفاع فوق الصغائر حين يتعلق الأمر بصورة الوطن.
فالمغرب لا تنقصه الخصومات، ولا يحتاج إلى مزيد من التوتر الرمزي، بقدر ما يحتاج إلى خطاب سياسي وديني مسؤول، ينتصر للحجة بدل الصدمة، وللإقناع بدل الإثارة، ولهموم المواطن بدل بريق “اللقطة” الزائل.
