بقلم: الباز عبدالإله
كشفت مصادر إعلامية أن وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسعيد، اختار، تحت سقف المعرض الدولي للنشر والكتاب، فتح نقاش حول أخلاقيات الكتابة في زمن الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، محذراً من ضغط السرعة على حساب الدقة، ومن انتشار الأخبار الزائفة وتراجع الثقة في المصادر، في مرحلة صار فيها الفضاء الافتراضي قادراً على تحويل المعطيات المتداولة إلى أحكام سريعة قبل مرورها عبر مسالك التحقق والمؤسسات المختصة.
وجاءت كلمة بنسعيد، التي ألقاها نيابة عنه الكاتب العام لقطاع الاتصال بالوزارة، عبد العزيز البوجدايني، ضمن ندوة “تجربة الكتابة بين الصحافة والأدب في العصر الرقمي”، لتعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: كيف يمكن حماية الحق في الخبر دون السقوط في التسرع؟ وكيف يمكن الدفاع عن حرية تداول المعلومة دون تحويل المنصات الرقمية إلى فضاءات للاتهام خارج قواعد الإثبات والمسؤولية؟
ولم يكن خطاب الوزير، رغم لغته الهادئة، بعيداً عن السياق الرقمي الذي تعرفه الساحة الوطنية خلال الأيام الأخيرة، حيث تتداول منصات رقمية معطيات وملفات منسوبة إلى مسؤولين وشخصيات عامة، بعضها يقدم في صيغة وثائق وتسريبات، دون أن تكون صحتها محل تحقق مستقل أو تأكيد من الجهات المعنية، مع التأكيد أن تداول هذه المعطيات لا يعني ثبوت مضمونها، ولا يغني عن مسار التحقق الصحفي والقانوني.
وهذا ما يجعل النقاش أكثر حساسية: هل نحن أمام معطيات تستحق المتابعة الصحفية، أم أمام موجة رقمية تحتاج إلى فرز دقيق بين المعلومة والتأويل والتوجيه؟ فالوزير لم يربط حديثه بأي واقعة محددة، ولم يشر إلى أي منصة بعينها، غير أن تركيزه على الأخبار الزائفة، وواجب التحقق، وخطر التسرع، يفتح الباب أمام قراءة أوسع لموقف رسمي يبدو حذراً من قدرة الفضاء الرقمي على إنتاج قضايا كبرى خارج الإيقاع العادي للمؤسسات.
فالمعلومة اليوم لا تنتظر الندوة الصحفية، ولا البيان التوضيحي، ولا زمن التحرير الهادئ؛ تنتشر أولاً، ثم يبدأ الجميع في مطاردتها: الصحافة، المؤسسات، الرأي العام، وأحياناً القضاء.
غير أن الحديث عن الأخبار الزائفة لا يعني، بالضرورة، التشكيك في كل ما يروج حول الاختلالات أو ملفات الفساد. فبين الخبر الكاذب والملف الجدي توجد منطقة واسعة تحتاج إلى صحافة مهنية، قادرة على طرح الأسئلة، ومراجعة الوثائق، ومقارنة المعطيات، والاستماع إلى الأطراف المعنية، قبل تحويل التداول الرقمي إلى خلاصات نهائية.
فالصحافة ليست مطالبة بالصمت أمام الملفات الحساسة، لكنها مطالبة أيضاً بألا تتحول إلى صدى سريع لمنصات مجهولة المصدر.
واستحضر بنسعيد العمق التاريخي للصحافة المغربية، مذكراً بأسماء جمعت بين الكتابة الصحفية والأدبية والسياسية، من قبيل علال الفاسي وعبد الله إبراهيم وعبد الكريم غلاب، ثم محمد برادة وأحمد المديني ومحمد زفزاف، ممن جعلوا من الصحافة فضاء للنقاش والتجريب وبناء المعنى، لا مجرد وعاء سريع لتصريف الأخبار.
غير أن هذا الاستحضار يصطدم اليوم بواقع مختلف، عنوانه السرعة، والانتشار الفوري، وتداخل الحدود بين الصحافي والمؤثر والمصدر المجهول وصانع المحتوى.
لقد تغيرت طبيعة الكتابة نفسها؛ لم تعد الجريدة وحدها تصنع الرأي العام، ولم يعد الصحافي وحده يحتكر سلطة النشر.
الهاتف صار مطبعة صغيرة، والمنصة صارت منبراً واسعاً، والوثيقة المسربة، سواء كانت صحيحة أو ناقصة أو مفبركة، يمكن أن تتحول في ساعات قليلة إلى قضية رأي عام.
هنا يظهر امتحان الصحافة: ألا تكتفي بإعادة نشر ما يتداول، وألا تسارع إلى دفنه تحت عنوان “الأخبار الزائفة”، بل أن تفككه وتضعه في سياقه وتبحث عما يمكن إثباته.
ولعل النقطة التي تحتاج إلى مزيد من الوضوح في الخطاب الرسمي هي أن محاربة الأخبار الزائفة لا يمكن أن تنجح بالدعوة إلى الأخلاقيات وحدها، مهما كانت ضرورية.
فحين تغيب المعلومة الرسمية الدقيقة، تتسع مساحة التسريب، وحين يتأخر التوضيح، يتقدم التأويل.
وحين لا يجد المواطن أجوبة مقنعة، يصبح أكثر استعداداً لتصديق ما يصله عبر المنصات، ولو كان ناقصاً أو غير مؤكد.
من هنا، لا يمكن فصل سؤال الصحافة الرقمية عن سؤال الشفافية.
فالصحافة المهنية تحتاج إلى مصادر موثوقة، وإلى حق فعلي في الوصول إلى المعلومة، وإلى مؤسسات تتفاعل بسرعة مع القضايا التي تشغل الرأي العام.
أما الاكتفاء بتحذير الجمهور من الأخبار الزائفة، دون تقديم معطيات مضادة واضحة، فقد يترك الانطباع بأن المشكلة في تداول المعلومة فقط، لا في الفراغ الذي يسمح لها بالانتشار بهذه القوة.
كلمة بنسعيد تضع الصحافة أمام امتحان مزدوج: الدقة في زمن السرعة، والشجاعة في زمن الالتباس.
فالمطلوب ليس صحافة خائفة من الملفات الكبرى، ولا صحافة مندفعة وراء كل تسريب، بل صحافة تعرف كيف توازن بين الحق في المعرفة وقرينة البراءة، بين واجب المساءلة وخطر التشهير، وبين كشف الاختلالات واحترام مسار التحقق.
ما يواجه الصحافة اليوم ليس التكنولوجيا وحدها، ولا الذكاء الاصطناعي وحده، بل اختلال الثقة بين المواطن والمعلومة. فإذا كانت التسريبات تجد طريقها سريعاً إلى الناس، فذلك لا يعود فقط إلى قوة المنصات، بل أيضاً إلى ضعف الأجوبة الرسمية، وبطء التوضيح، وندرة الشفافية.
فالحقيقة لا يحميها الصمت، كما لا تخدمها الفوضى؛ يحميها إعلام مهني، ومؤسسات واضحة، ومواطن يملك حقه في المعرفة دون أن يتحول إلى قاضٍ فوق منصة رقمية.
