بقلم: الباز عبدالإله
فتح الإعلامي توفيق بوعشرين، في حلقة جديدة من برنامجه “كلام في السياسة” على قناته بموقع يوتيوب، ملف التسريبات المنسوبة إلى الحساب المعروف باسم “جبروت”، مقدماً قراءة اعتبر فيها أن المغرب يعيش على وقع معركة صامتة لا تستعمل الرصاص، لكنها توظف الوثائق والأرقام والعقود والمعطيات الحساسة كسلاح مؤثر في المجال العام.
وتوقف بوعشرين عند التحول الذي عرفته هذه التسريبات، بعدما انتقلت، بحسب قراءته، من واقعة رقمية مرتبطة باختراقات ومعطيات شخصية إلى ظاهرة سياسية وإعلامية تفرض نفسها على النقاش العمومي. فـ“جبروت”، كما قدمه بوعشرين، لم يعد مجرد اسم مجهول في الفضاء الرقمي، بل تحول إلى مصدر يتابعه جزء من المواطنين بحثاً عن معطيات لا يجدونها في الإعلام الرسمي أو في البلاغات المؤسساتية.
ويرى مقدم “كلام في السياسة” أن خطورة هذه الظاهرة لا تكمن فقط في طبيعة الوثائق المنشورة، بل أيضاً في السياق الذي تخرج فيه إلى العلن.
فعندما تتعلق التسريبات بعقارات وثروات وامتيازات ومعطيات مالية، وسط مناخ اجتماعي مطبوع بغلاء المعيشة وتراجع الثقة واتساع الفوارق، فإن الوثيقة لا تبقى مجرد ورقة إدارية أو عقد قانوني، بل تتحول إلى سؤال سياسي وأخلاقي حول المال والنفوذ وتضارب المصالح وحدود الشفافية في تدبير الشأن العام.
وأشار بوعشرين، ضمن قراءته، إلى أن غياب الردود الرسمية أو التوضيحات الدقيقة يساهم في تقوية أثر التسريبات.
فحين تصمت المؤسسات، تملأ الرواية الرقمية الفراغ، وحين لا تخرج الجهات المعنية لتقديم توضيحات أو تكذيبات أو معطيات مضادة، قد تتحول الاتهامات المتداولة، مع الوقت والتكرار، إلى قناعات لدى جزء من الرأي العام.
وفي هذا السياق، اعتبر بوعشرين أن ما يجري لا يمكن اختزاله في بعد سيبراني فقط، رغم خطورة الاختراقات الرقمية وحساسية المعطيات المتداولة. فالسؤال الأعمق، في نظره، يتعلق بما إذا كانت البلاد أمام كشف لملفات فساد، أم حرب رقمية، أم تصفية حسابات بين مراكز نفوذ، أم أن الأمر يجمع بين كل هذه العناصر في لحظة سياسية دقيقة.
ولفت بوعشرين إلى أن الجديد في هذه المعركة ليس وجود صراعات داخل دوائر القرار، بل خروج بعض أدوات هذا الصراع إلى السطح عبر التسريب وتداول الوثائق وتحريك الشبهات في الفضاء العام.
فالصراع حول السلطة والنفوذ، كما قال، نادراً ما يقدم نفسه باسمه الحقيقي، بل غالباً ما يظهر في لباس الإصلاح أو الدفاع عن المصلحة العامة أو حماية المال العام.
كما نبه إلى أن الوثيقة المسربة، حين تخرج دون سياق صحفي مهني ودون تحقيق قضائي واضح ودون احترام حق الرد، قد تتحول إلى ما يشبه محكمة رقمية مفتوحة.
فالوثيقة في العمل الصحفي لا تكفي وحدها لصناعة الحقيقة، بل تحتاج إلى تحقق وسياق ومقارنة واستماع للأطراف المعنية.
أما في زمن التسريب الرقمي، فإن الوثيقة تنتشر بسرعة، وتسبقها الأحكام أحياناً قبل أن تكتمل شروط الفهم والتدقيق.
واعتبر مقدم “كلام في السياسة” أن أخطر ما في “حرب التسريبات” أنها لا تمس الأشخاص فقط، بل تطال صورة المؤسسات وثقة المواطنين فيها. فعندما تبدو المعطيات الحساسة قابلة للتداول على قارعة الإنترنت، وعندما يجد المواطن نفسه أمام وثائق مثيرة دون تفسير رسمي واضح، فإن الشعور العام بالهشاشة يتسع، سواء تعلق الأمر بحماية المعطيات أو بمصداقية المسؤولين أو بقدرة الدولة على التواصل في اللحظات الحرجة.
في المقابل، شدد بوعشرين على أن التعامل مع التسريبات لا ينبغي أن يتم بمنطق التصديق المطلق أو الرفض المطلق.
فالنشر المجهول يطرح بدوره أسئلة حول المصدر والتوقيت والانتقاء والجهة المستفيدة والغاية من توجيه الغضب الشعبي نحو أسماء أو ملفات بعينها.
فالوثيقة قد تكشف حقائق، لكنها قد تستعمل أيضاً كسلاح في معارك غير معلنة.
وخلص بوعشرين، في برنامجه، إلى أن جوهر الأزمة ليس “جبروت” وحده، بل الفراغ الذي جعل مصدراً مجهولاً قادراً على منافسة الإعلام التقليدي وفرض إيقاعه على النقاش العام. فحين تتراجع صحافة التحقيق، ويصمت الإعلام الرسمي، وتتأخر المؤسسات في التوضيح، يصبح الفضاء الرقمي هو الساحة الأولى لتشكيل القناعات، حتى وإن كانت المعطيات المتداولة تحتاج إلى تدقيق وتحقق.
وبهذا المعنى، تطرح تسريبات “جبروت”، كما قرأها برنامج “كلام في السياسة”، سؤالاً أوسع حول الثقة والشفافية وحماية المعطيات.
فإما أن تتحول هذه اللحظة إلى فرصة لفتح تحقيقات واضحة وتواصل مؤسساتي مسؤول وربط فعلي للمسؤولية بالمحاسبة، وإما أن تستمر كحرب رقمية غامضة، لا يعرف المواطن من يديرها ولا إلى أين تنتهي، وقد تترك أثراً عميقاً في علاقة المجتمع بالمؤسسات.
