بقلم: الباز عبدالإله
ليس جديداً أن يثير المشهد الثقافي المغربي أسئلة حول معايير الاختيار وترتيب الأولويات، غير أن الجدل الذي فتحته تدوينة الباحث إدريس الكنبوري أعاد الموضوع إلى واجهة أكثر حساسية، تتعلق بصورة الثقافة التي تقدم اليوم للرأي العام، وبنوع الرموز التي توضع في مقدمة الفضاءات المخصصة للكتاب والفكر.
التدوينة لم تقف عند واقعة معزولة، بل فتحت زاوية أوسع حول حضور أسماء قادمة من عالم الفرجة داخل معرض الكتاب، ليس فقط باعتبارها تجارب فنية لها جمهورها ومكانتها، بل من خلال تقديمها بعناوين ذات حمولة فكرية كبيرة، من قبيل “الذاكرة والمجتمع والمقدس”.
وهنا يبرز جوهر الإشكال: هل يتعلق الأمر بانفتاح طبيعي للثقافة على الفنون الشعبية والكوميديا، أم أن بعض التجارب الترفيهية باتت تمنح رمزية فكرية أكبر من حجمها؟
المشكلة، بهذا المعنى، ليست في حضور الفنان داخل فضاء ثقافي، فالفن جزء من الثقافة، والكوميديا لها حقها في القراءة والتحليل.
غير أن الحساسية تبدأ حين تتغير مواقع الرموز، وحين يصبح الحضور الإعلامي والشعبية معياراً كافياً للتموضع داخل فضاءات يفترض أن تحتفي، قبل كل شيء، بالكتاب والبحث والمعرفة.
فمعرض الكتاب ليس مجرد واجهة للترويج، بل مناسبة لقياس علاقة المجتمع بالقراءة وبالأسماء التي راكمت تجربة في إنتاج المعنى.
ويمتد هذا الجدل إلى مسار الكوميديا نفسها.
فقد كانت السخرية في مراحل سابقة أداة للنقد الاجتماعي والسياسي، ووسيلة لكشف التناقضات ومساءلة الواقع.
أما اليوم، فيرى الكنبوري أن جزءاً من هذا الإنتاج اتجه نحو الاشتغال على صور نمطية مرتبطة بالبادية والفئات الشعبية والإنسان الهش، بما يطرح إشكالاً حول حدود الضحك ووظيفته: هل يلامس الاختلالات أم يعيد أحياناً إنتاج صور جاهزة عن الفئات الأضعف حضوراً في المجال العام؟
ولم يبق الأمر محصوراً في معرض الكتاب، بل امتد إلى المدرسة، بعد الإشارة إلى تقديم الكوميدي يسار كنموذج للنجاح ضمن امتحان السادس ابتدائي.
اختيار من هذا النوع يفتح زاوية أخرى حول صورة النجاح التي تقدم للناشئة، وحول النماذج التي تختارها المؤسسة التعليمية لتقريب فكرة الطموح من الأطفال.
فالأمر لا يتعلق برفض الفن أو الكوميديا، بل بالتوازن بين الشهرة والمعرفة، وبين الأضواء والمسار الفكري والعلمي.
في المقابل، تشير التدوينة إلى وقائع أخرى تزيد من حدة المفارقة، من منع المعطي منجب من دخول معرض الكتاب، إلى منع عبد الرحيم حزل من تقديم كتابه، وصولاً إلى تغييب اسم الكنبوري من فعاليات “الرباط عاصمة الكتاب”.
وهي معطيات، إن صحت تفاصيلها، تنقل النقاش من حدود البرمجة الثقافية إلى مستوى أوسع، يتعلق بموقع المثقف صاحب الموقف داخل الفضاء العمومي.
ولا يبدو الأمر مرتبطاً بصراع إيديولوجي تقليدي بين محافظ ويساري، بقدر ما يرتبط بمعيار أعمق: من يملك حق الظهور في الواجهة الثقافية؟ ومن يحدد من يستحق المنصة؟ وحين يجد المثقف المستقل نفسه خارج القاعة أو خارج اللائحة، بينما تتسع المساحات لأسماء أكثر حضوراً في السوق الإعلامي، تبرز الحاجة إلى مراجعة هادئة لاستقلالية الثقافة ومعايير تدبيرها.
الرسالة الأهم في هذا الجدل موجهة أيضاً إلى المثقفين أنفسهم.
فكثيرون يطالبون بإصلاح السياسة والمؤسسات، لكن الدفاع عن المجال الثقافي من داخله لا يحظى دائماً بالقوة نفسها.
والثقافة لا يمكن أن تبقى مجرد واجهة احتفالية أو محطة موسمية، بل مجال يحتاج إلى وضوح في المعايير، وحماية لمكانة الكتاب، وصون لقيمة النقاش الجاد.
ما فتحته تدوينة الكنبوري يتجاوز الأشخاص والأسماء.
إنه نقاش حول صورة الثقافة التي نريدها: ثقافة توسع أفق المواطن، أم واجهة تُدار بمنطق الشهرة والانتشار؟ وحين تحضر الفرجة بلباس “المقدس”، ويغيب المثقف أو يدفع إلى الهامش، تتجه الأنظار إلى الجهة التي تصنع الرموز، وتمنح المنصة، وتقرر من يكون في قلب المشهد ومن يبقى خارجه.
