بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد كرة القدم، في عالم اليوم، مجرد منافسة تُلعب فوق العشب، ولا فرجة تنتهي مع صافرة الحكم.
ما التقطته صحيفة The Guardian البريطانية، في مقال نشرته يوم 4 ماي 2026 حول خلاصات مؤتمر الفيفا، يكشف أن اللعبة دخلت مرحلة أخرى، حيث تختلط الرياضة بالمال والدبلوماسية وصناعة النفوذ.
في قلب هذه التحولات، ظهر اسم المغرب كواحد من البلدان الصاعدة داخل أجندة الاتحاد الدولي لكرة القدم.
فالصحيفة البريطانية لم تتوقف عند المملكة باعتبارها بلداً سيُنظم كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال فقط، بل وضعته داخل سياق أوسع: تراجع احتكار أوروبا لمركز القرار داخل الفيفا، وصعود فضاءات جديدة باتت تستضيف المحطات الكبرى وتدخل إلى غرفة التأثير من باب الرياضة.
ومن بين الإشارات اللافتة التي أوردها المقال، أن المؤتمر المقبل للفيفا سيُعقد في الرباط، في لحظة ينتظر أن تكون مرتبطة بإعادة انتخاب جياني إنفانتينو على رأس الاتحاد الدولي.
هنا بالضبط تخرج كرة القدم من الملعب إلى هندسة النفوذ.
فحين تصبح الرباط محطة لمؤتمر الفيفا، فالأمر لا يتعلق باستقبال بروتوكولي عابر، بل برسالة سياسية ناعمة: المغرب لم يعد يكتفي بأن يكون بلداً منظماً أو جمهوراً متحمساً أو منتخباً يحقق المفاجآت، بل صار يتحرك داخل المساحات التي تُصنع فيها الصورة، وتُدار فيها المصالح، وتُعاد فيها صياغة موازين القوة داخل الكرة العالمية.
لكن الصورة لا تكتمل إذا بقينا فقط عند الواجهة اللامعة. فكل تظاهرة كبرى، مهما كانت قيمتها الدولية، لا يجوز أن تتحول إلى مبرر لهضم حقوق المواطنين، خصوصاً أولئك الذين تمسهم مشاريع التهيئة أو نزع الملكية أو الهدم المرتبط بإعادة تشكيل المدن والملاعب والبنيات التحتية.
النجاح الحقيقي ليس أن نُرضي دفتر تحملات الفيفا فقط، بل أن نحمي كرامة الناس الذين يعيشون داخل هذه المدن قبل أن يراها العالم على الشاشات.
تقارير دولية سبق أن نبهت إلى هذا الجانب. فقد تحدثت Amnesty International، في تقييمها للمخاطر الحقوقية المرتبطة بملف مونديال 2030، عن مشاريع كبرى تشمل ملعباً جديداً بسعة 115 ألف متفرج خارج الدار البيضاء، وبنيات نقل جديدة، مع التنبيه إلى ضرورة التعامل الجدي مع المخاطر المرتبطة بالشغل، والسكن، وحرية التعبير، والتدبير الأمني، وغيرها من الملفات الحساسة.
كما ذكرت Reuters أن المغرب يخطط لاستكمال ملعب بنسليمان الكبير قرب الدار البيضاء بحلول 2027، بكلفة قد تصل إلى 5 مليارات درهم، إلى جانب توسيع ملاعب الرباط وطنجة وأكادير ومراكش وفاس، وتوسيع الطاقة الفندقية والمطارات وربط القطار فائق السرعة جنوباً.
هذه مشاريع ضخمة تمنح المغرب وزناً دولياً، لكنها في الوقت نفسه تفرض واجباً سياسياً وأخلاقياً: لا يمكن أن يأكل طرف من كعكة المونديال، بينما يُترك مواطن آخر يدفع الثمن وحده.
وحين نتحدث عن الهدم أو نزع الملكية أو نقل الأسر من أماكنها، فالمطلوب ليس تعويضات رمزية تُسكِت الغضب، ولا حلولاً مؤقتة تُرحّل المشكل من حي إلى حي. المطلوب تعويضات عادلة ومهمة، مبنية على القيمة الحقيقية للعقار والسوق، وعلى خبرة شفافة، مع سكن بديل لائق، وآجال إنسانية، ومواكبة اجتماعية للأسر، خصوصاً الأطفال والتلاميذ وكبار السن.
فالمواطن لا يجب أن يشعر أن كأس العالم جاءت فوق سقف بيته، بل إلى جانبه.
ولا ينبغي أن يتحول حلم التنظيم العالمي إلى كابوس اجتماعي بالنسبة لأسر تجد نفسها فجأة أمام قرارات ثقيلة، وتعويضات لا تكفي لبناء بداية جديدة.
المنفعة العامة لا تكتمل إلا حين تكون عادلة، شفافة، وتحفظ الحد الأدنى من كرامة المتضررين.
صحيح أن المغرب يراكم نقاطاً مهمة خارج المستطيل الأخضر: تنظيم مشترك لكأس العالم، حضور متقدم داخل الفيفا، بنية تحتية تتوسع، وصورة دولية أكثر قوة.
لكن هذه القوة الناعمة تفقد جزءاً من معناها إذا لم تتحول إلى قوة إنصاف داخلي. فالمونديال ليس فقط ملاعب ومطارات وطرقاً وفنادق؛ هو أيضاً امتحان في كيفية تعامل الدولة مع المواطن حين يمر المشروع الكبير من أمام باب بيته.
وقد سبق لـ Reuters أن نقلت، في سياق آخر مرتبط بمتضرري زلزال الحوز، انتقادات حول سرعة الإنفاق على الملاعب مقارنة ببطء بعض مسارات إعادة الإعمار، مع الإشارة إلى أن الحكومة خصصت أكثر من 20 مليار درهم لتجهيز الملاعب، مقابل مساعدات سكنية لفائدة متضرري الزلزال، وفق المعطيات التي أوردها التقرير.
وهذا لا يعني رفض الاستثمار في الرياضة، بل يعني أن الرأي العام يريد توازناً واضحاً بين صورة الخارج وكرامة الداخل.
كرة القدم صارت لغة نفوذ، نعم. ومن حق المغرب أن يستثمر في هذه اللغة، وأن يوسع حضوره داخل الفيفا، وأن يحوّل موقعه الجغرافي والسياسي إلى قوة ناعمة مؤثرة.
لكن هندسة النفوذ لا يجب أن تكون فوق هندسة العدالة.
لا قيمة لمدينة تتزين للكاميرات إذا كانت في الهامش أسرة تشعر أنها خرجت من بيتها بتعويض لا يصنع لها أمناً ولا بداية.
ما كتبته The Guardian يفتح نافذة لفهم لحظة جديدة: المغرب لم يعد واقفاً على هامش كرة القدم العالمية، بل صار يتحرك داخل دوائرها المؤثرة.
غير أن اكتمال هذه اللحظة يمر عبر شرط بسيط وقوي: أن يكون صعود المغرب داخل الفيفا مصحوباً بصعود في حماية الحقوق، وأن تكون التظاهرة الكبرى فرصة للإنصاف، لا سبباً لإحساس بعض المواطنين بأنهم خسروا بيوتهم باسم حلم عالمي.
