بقلم: الباز عبدالإله
تضع المراسلة البرلمانية الأخيرة التي وجّهها المستشار خالد السطي إلى وزير الصحة والحماية الاجتماعية، ملف خريجي مسلك “المساعدة في المجال الطبي الاجتماعي” أمام مرآة كاشفة لاختلال واضح في هندسة السياسات العمومية بقطاع الصحة: تكوين كفاءات مؤهلة، دون فتح مسالك إدماج مهني تتناسب مع طبيعة هذا التكوين وحاجيات المرفق الصحي.
تتجاوز هذه القضية حدود مطلب فئوي ضيق يهم 82 خريجاً، لتطرح سؤالاً أعمق حول منطق التخطيط داخل قطاع يستفيد من اعتمادات مالية مهمة، ويرفع في الوقت نفسه شعار تأهيل المنظومة الصحية وأنسنة خدماتها.
فالمفارقة تبدأ من التكوين نفسه؛ إذ تمنح المعاهد الوطنية للشباب تكويناً متخصصاً يفترض أن يجيب عن حاجة واقعية داخل المستشفيات والمراكز الصحية، غير أن محدودية المناصب المالية تجعل هذا المسار معلقاً بين الوعد المهني والبطالة.
وحسب المعطيات التي حملها السؤال البرلماني، فإن عدداً من خريجي هذا المسلك ما زالوا خارج سوق الشغل، رغم أن تخصصهم يرتبط مباشرة بمواكبة المرضى نفسياً واجتماعياً، خصوصاً في الحالات التي تتطلب دعماً إنسانياً إضافياً داخل المؤسسات الصحية.
وهنا تظهر المفارقة بوضوح: مستشفيات تحتاج إلى تخفيف الضغط، ومرضى يحتاجون إلى مرافقة، وخريجون يملكون الكفاءة، لكن الجسر بين هذه العناصر ما زال معطلاً.
إن الحديث الرسمي عن “أنسنة” المستشفيات و”الدولة الاجتماعية” لا يمكن أن يظل حبيس الخطاب العام، ما لم يجد ترجمته داخل الموارد البشرية المؤهلة.
فالمساعد في المجال الطبي الاجتماعي ليس منصباً هامشياً، بل حلقة أساسية في علاقة المرفق الصحي بالمواطن، خاصة حين يتعلق الأمر بالمرضى في وضعية هشاشة، أو الأسر التي تحتاج إلى توجيه ومواكبة داخل مسار العلاج.
وعلى مستوى الحكامة، تبدو محدودية المناصب المالية مبرراً إدارياً مألوفاً، لكنها لا تجيب عن السؤال الجوهري: لماذا يتم توسيع التكوين في مسلك محدد إذا لم تكن آفاق الإدماج واضحة؟ ولماذا يُطلب من الشباب الاستثمار في مسار مهني، ثم يجدون أنفسهم أمام أبواب شبه مغلقة؟ هنا لا يعود المشكل تقنياً فقط، بل يصبح مرتبطاً بمدى انسجام السياسات القطاعية مع بعضها البعض.
لا يمكن اختزال ملف خريجي المساعدة الطبية الاجتماعية في مجرد “أزمة مناصب”، بل هو تجسيد لخلل بنيوي في بوصلة الأولويات.
فاستمرار الوزارة في تشييد الجدران الإسمنتية الكبرى، مع إهمال “الجسور الإنسانية” التي يمثلها هؤلاء الخريجون، يجعل من إصلاح قطاع الصحة جسداً بلا روح.
فالإصلاح لا يكتمل بالبنايات والتجهيزات وحدها، بل يحتاج إلى كفاءات قادرة على مرافقة الإنسان داخل لحظات الضعف والهشاشة والمرض.
سؤال خالد السطي يضع وزارة الصحة أمام اختبار واضح: إما أن يكون هذا التكوين جزءاً من تصور متكامل لإصلاح المنظومة الصحية، أو أن يتحول إلى مسار ينتج الإحباط بدل الأمل.
فهل سيتلقف الوزير رسالة المستشار السطي كفرصة لتصحيح المسار، أم سنظل أمام مفارقة دولة تستثمر في تكوين كفاءات، ثم تتركها تبحث عن مكانها في طوابير الانتظار؟
قضية خريجي المساعدة في المجال الطبي الاجتماعي ليست أزمة أرقام فحسب، بل أزمة رؤية وجسور.
فالمجتمع يحتاج إلى المواكبة، والمؤسسات الصحية تحتاج إلى دعم بشري، والخريجون ينتظرون فرصة عادلة.
وبين الحاجة والكفاءة، يبقى القرار السياسي والإداري هو الحلقة التي ستحدد ما إذا كان هذا المسلك سيصبح قيمة مضافة للقطاع، أم عنواناً جديداً لإحباط مهني كان يمكن تفاديه.
