بقلم: الباز عبدالإله
لم يعد النقاش حول مشروع قانون تنظيم مهنة المحاماة محصوراً في الخلاف المهني بين المحامين وأساتذة العلوم القانونية، ولا في تفاصيل المادتين 13 و14 وما تثيرانه من جدل حول إمكانية ممارسة الأستاذ الجامعي لمهنة الدفاع.
فقد أخذ الملف، بعد تصريحات وزير العدل عبد اللطيف وهبي، بعداً مؤسساتياً أكثر حساسية، يرتبط بحدود الخطاب الحكومي، وبالموقع الذي ينبغي أن يحتله الوزير حين يكون النص التشريعي موضوع توتر بين أكثر من طرف مهني.
أوردت جريدة “مدار21” أن وزير العدل دعا أساتذة القانون إلى الخروج للاحتجاج وممارسة الضغط، على غرار ما يقوم به المحامون، معتبراً أن المطالب لا تتحقق بالتمني، بل بالمواجهة والضغط.
وبعد هذه التصريحات، نظم عدد من أساتذة العلوم القانونية، صباح اليوم الأربعاء، وقفة أمام البرلمان بالرباط، للمطالبة بتعديل مقتضيات مشروع قانون المحاماة بما يسمح لهم بممارسة مهنة الدفاع إلى جانب مهنتهم الجامعية.
من حيث المبدأ، لا يمكن الاعتراض على حق الأساتذة الجامعيين في التعبير عن موقفهم أو الدفاع عن تصورهم لإصلاح منظومة العدالة.
فالتظاهر السلمي، والترافع العمومي، وإبداء الرأي في القوانين المعروضة على البرلمان، كلها حقوق مشروعة داخل دولة المؤسسات.
كما أن مطلب ربط الجامعة بالممارسة القانونية يبقى موضوعاً قابلاً للنقاش، له أنصاره وحججه، كما أن للمحامين تخوفاتهم المرتبطة باستقلالية المهنة وتوازنها واحتمالات تضارب المصالح.
غير أن الإشكال الحقيقي لا يتعلق بخروج الأساتذة للاحتجاج، بل بطبيعة الجهة التي دعتهم إلى ذلك.
فالدعوة إلى “الضغط” لم تصدر عن إطار نقابي، ولا عن تنسيقية مهنية، ولا عن فاعل مدني من خارج السلطة التنفيذية، بل صدرت عن وزير العدل نفسه.
وهنا يصبح النقاش أكبر من مطلب فئوي، وأقرب إلى سؤال مؤسساتي دقيق: هل يستقيم أن يدعو وزير مسؤول عن قطاع العدل، وعن مشروع قانون حساس، فئة مهنية بعينها إلى ممارسة الضغط من أجل التأثير في مسار تشريعي معروض على البرلمان؟
وزير العدل في هذا الملف ليس طرفاً عادياً.
فهو ليس مجرد مواطن يعبر عن رأي شخصي، ولا أستاذاً جامعياً يدافع عن زملائه، ولا محامياً يخوض معركة مهنية.
إنه عضو في الحكومة، ومسؤول سياسي عن ورش تشريعي يمس إحدى أهم المهن المرتبطة بالعدالة.
لذلك، فإن كلماته لا تمر كتصريحات عابرة، بل تحمل وزن المنصب والمؤسسة، وقد تؤثر في ميزان العلاقة بين الحكومة والبرلمان، وبين الجامعة والمحاماة، وبين الشارع والقرار التشريعي.
الأكثر حساسية أن الوزير، بدل أن يظهر في موقع الوسيط الذي يسعى إلى تقريب وجهات النظر بين المحامين والأساتذة والبرلمان، بدا وكأنه يدفع طرفاً إلى موازنة ضغط طرف آخر.
فالرسالة التي قد تُفهم من هذا الخطاب هي أن مسار التشريع لا تحكمه فقط الحجة القانونية والنقاش المؤسساتي، بل أيضاً قدرة كل فئة على رفع صوتها أمام البرلمان.
وهذا منطق يحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
فإذا كان الضغط حقاً مشروعاً ومقبولاً في كل الأحوال، فلا ينبغي أن يتغير الحكم عليه حسب الجهة التي تمارسه.
وإذا كان الضغط على المؤسسة التشريعية أمراً حساساً حين يصدر عن مواطنين أو نشطاء أو فاعلين مدنيين، فكيف يصبح عادياً حين تأتي الدعوة إليه من وزير في الحكومة؟
وتتضح المفارقة أكثر عند طرح المقارنة البسيطة: لو أن مواطناً عادياً دعا فئة مهنية إلى النزول للشارع من أجل الضغط أثناء مناقشة قانون، لكان كلامه عرضة لتأويلات متعددة.
قد يقال إنه يحاول التأثير على البرلمان، أو دفع الشارع نحو مواجهة سياسية، أو استعمال الضغط بدل المؤسسات.
أما حين تصدر العبارة من وزير العدل، فإنها تمر أحياناً تحت عنوان “الترافع” أو “النصيحة السياسية”، رغم أن أثرها المؤسساتي قد يكون أكبر، لأن صاحبها يتحدث من موقع سلطة لا من موقع احتجاج.
لا يعني ذلك أن وزير العدل ممنوع من التعبير عن رأيه، ولا أن الحكومة لا يحق لها الدفاع عن اختياراتها التشريعية.
لكن هناك فرقاً واضحاً بين أن يدافع الوزير عن تصور قانوني داخل البرلمان، وأن يفتح حواراً منظماً مع المعنيين، وأن يقدم حججه للرأي العام، وبين أن يدعو فئة مهنية إلى ممارسة الضغط في مواجهة فئة أخرى تمارس الضغط بدورها.
فالقانون لا ينبغي أن يتحول إلى نتيجة لمباراة ضغط بين المحامين والأساتذة، ولا إلى سباق حول من يملك القدرة الأكبر على التعبئة أمام البرلمان.
التشريع، خصوصاً حين يتعلق بمهنة الدفاع، يجب أن يصاغ بمنطق التوازن، وضمانات الاستقلالية، وحماية حقوق المتقاضين، وتدبير تضارب المصالح، لا بمنطق من ينجح في فرض حضوره في الشارع.
أساتذة القانون يملكون حججهم، وفي مقدمتها أن خبرتهم الأكاديمية قد تساهم في تجويد الممارسة القانونية وتقوية الصلة بين الجامعة والقضاء والمحاماة.
والمحامون يملكون بدورهم تخوفات مشروعة، خصوصاً حين يتعلق الأمر بمهنة لها استقلاليتها وأخلاقياتها وقواعدها الخاصة. وبين الطرفين، كان يفترض أن يقف وزير العدل في موقع من ينظم النقاش، لا من يرفع درجة التوتر.
القضية اليوم لم تعد محصورة في أحقية الأستاذ الجامعي في ممارسة المحاماة إلى جانب التدريس، بل امتدت إلى حدود الخطاب الوزاري حين يكون موجهاً إلى فئات مهنية متنازعة حول قانون.
فالمسؤول الحكومي مطالب باستعمال لغة دقيقة ومحسوبة ومطمئنة، خاصة عندما يتعلق الأمر بقطاع العدالة، حيث كل كلمة قد تتحول إلى إشارة سياسية أو مهنية أو مؤسساتية.
قوة الدولة لا تظهر فقط في قدرتها على إنتاج القوانين، بل في طريقة إنتاجها.
والقانون الذي يمر وسط صراع مفتوح، وتبادل للضغط بين الفئات، ودعوات صادرة من داخل الحكومة إلى النزول للشارع، يفقد جزءاً من هدوئه الرمزي، حتى قبل أن يدخل حيز التطبيق.
المطلوب ليس إسكات الأساتذة، ولا تجاهل المحامين، ولا مصادرة حق الاحتجاج.
المطلوب أن يتذكر وزير العدل أن موقعه يفرض عليه قدراً أعلى من التحفظ، وأن مسؤوليته ليست تشجيع طرف على الضغط في مواجهة طرف آخر، بل ضمان أن يبقى النقاش حول مهنة المحاماة داخل سقف المؤسسات، محكوماً بالحجة والضوابط والمصلحة العامة.
بهذا المعنى، لم تعد خرجة وهبي مجرد تعليق سياسي عابر، بل تحولت إلى امتحان حقيقي لمسؤولية الخطاب الوزاري: هل يدبر الوزير الخلاف بين مكونات العدالة، أم يفتح الباب أمام منطق جديد عنوانه أن القانون يُكتب تحت ضغط من يرفع صوته أكثر؟
