بقلم: الباز عبدالإله
ليست التعيينات في الأمتار الأخيرة من الولاية الحكومية مجرد قرارات إدارية عابرة، ولا تدبيراً عادياً لسد فراغ داخل بعض القطاعات.
الأمر أعمق من ذلك بكثير.
نحن أمام لحظة سياسية حساسة، يصبح فيها توقيت القرار جزءاً من مضمونه، وتتحول فيها التعيينات إلى مرآة تعكس الطريقة التي تُدار بها مفاصل الإدارة كلما اقتربت الحكومة من نهاية مسارها.
فحين يعود الحديث عن تسريع تعيينات في مناصب المسؤولية مع اقتراب نهاية الولاية، يصبح السؤال مشروعاً: هل نحن أمام حاجة إدارية طبيعية؟ أم أمام محاولة لترتيب مواقع داخل الإدارة قبل أن تقول صناديق الاقتراع كلمتها؟
لا أحد يعترض على حق الدولة في تعيين المسؤولين.
ولا أحد ينكر أن الإدارة تحتاج إلى كفاءات، وتجديد، ودماء جديدة قادرة على التدبير.
لكن الإشكال يبدأ حين يصبح التوقيت مثيراً للانتباه، والمعايير غير واضحة بما يكفي، والرأي العام أمام انطباع بأن بعض المناصب قد تتحول إلى مواقع يتم ترصيصها بهدوء في “الزمن الميت” من عمر الحكومة.
وهنا بالضبط تكمن الخطورة.
فالمساطر القانونية، مهما كانت سليمة من حيث الشكل، تحتاج أيضاً إلى سند أخلاقي وسياسي.
فليس كل ما يسمح به الإجراء يكون مقبولاً في لحظة سياسية دقيقة، وليس كل تعيين في آخر الولاية يمكن أن يمر كأنه قرار بلا أثر ولا رسالة.
في مثل هذه الملفات، لا يكفي أن يقال إن التعيين مرّ عبر المسطرة القانونية.
فالمطلوب اليوم أن تتحمل رئاسة الحكومة والقطاعات المعنية مسؤوليتها في توضيح المعايير، وأن يمارس البرلمان دوره الرقابي عبر الأسئلة واللجان ومساءلة الاختيارات، وأن يحضر المجلس الأعلى للحسابات، عند الاقتضاء، من زاوية الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
كما أن الصحافة والرأي العام مطالبان بالبقاء يقظين، لا من أجل توزيع الاتهامات، بل حتى لا تتحول المناصب العليا إلى فضاء رمادي بين القانون والسياسة.
الإدارة المغربية ليست امتداداً لأي حزب.
وليست فضاءً لتوزيع مواقع النفوذ.
وليست كراسي احتياط تُترك إلى آخر المباراة.
هي مرفق عام يفترض أن يبقى محايداً، مهنياً، ومفتوحاً أمام الكفاءة والاستحقاق، بعيداً عن منطق القرب والولاء والحسابات الضيقة.
داخل الإدارة المغربية توجد كفاءات كثيرة اشتغلت في صمت. أطر راكمت التجربة، وموظفون تحملوا ثقل الملفات اليومية، وشباب دخلوا المرفق العمومي وهم يؤمنون بأن العمل الجاد والمسار النظيف يمكن أن يفتحا الطريق نحو المسؤولية.
لكن الرسالة التي تقتل الثقة داخل الإدارة هي أن يشعر هؤلاء بأن الطريق إلى القمة لا يمر دائماً عبر الكفاءة، بل عبر “مسالك خاصة” لا تُفتح إلا في مواسم معينة، وداخل دوائر معينة، وبإشارات لا تظهر في النصوص القانونية.
هذا ليس مجرد إحباط فردي.
هذا ضرب بطيء لروح المرفق العام.
فالموظف الذي يفقد ثقته في عدالة المسار المهني، لا يفقد فقط أمله في الترقية، بل يفقد جزءاً من حماسه لخدمة الإدارة بنفس الروح.
وحين تتآكل الثقة داخل الإدارة، يتضرر المواطن قبل الجميع.
الحكومات تأتي وتغادر.
الأحزاب تصعد وتتراجع.
والانتخابات تُربح وتُخسر.
لكن الإدارة تبقى.
ولهذا، فإن استمرارية الدولة تقتضي أن تبقى الإدارة محمية من منطق “آخر فرصة”، ومن عقلية ترتيب المواقع قبل إغلاق الستار. فالمنصب العمومي ليس مكافأة سياسية، ولا هدية نهاية ولاية، ولا تعويضاً عن مرحلة شارفت على الانتهاء.
المسؤولية العمومية أمانة وطنية.
ومن يصل إليها يجب أن يصل بوضوح، وبمعايير معلنة، وبمسار يمكن الدفاع عنه أمام الرأي العام.
الشفافية في هذا الملف لا تحتاج إلى خطابات كثيرة، بل إلى أجوبة بسيطة وواضحة:
ما هي المعايير؟
من اختار؟
على أي أساس؟
وما القيمة المضافة لهؤلاء المعينين داخل الإدارة؟
إذا كانت التعيينات مبنية على الكفاءة، فليتم شرح ذلك للرأي العام.
وإذا كانت الإدارة فعلاً مفتوحة أمام الاستحقاق، فليظهر ذلك في المساطر والاختيارات.
أما ترك الغموض يحيط بمناصب المسؤولية في نهاية الولاية، فهو يفتح الباب أمام الشك. والشك، في السياسة، قد يكون أحياناً أقوى من الخبر نفسه.
المغرب الذي يتحدث عن الحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتكافؤ الفرص، لا يمكن أن يقبل بتحويل الإدارة إلى مجال رمادي بين القانون والسياسة، وبين النص والتأويل، وبين الكفاءة والقرب.
نحن لا نحتاج إلى إدارة تسأل: من تعرف؟
بل إلى إدارة تسأل: ماذا تعرف؟ ماذا قدمت؟ وماذا تستطيع أن تقدم للمواطن؟
فالدولة القوية لا تُبنى بالمواقع المحجوزة في الزمن الميت، ولا بالكفاءات التي تُترك في الهامش، ولا بالمناصب التي تثار حولها الشكوك قبل نهاية الولاية.
الدولة القوية تُبنى بإدارة عادلة، واضحة، ومحترمة لكفاءاتها.
أما تعيينات آخر الولاية، حين تُترك بلا توضيح كافٍ، فإنها تضع الحكومة أمام امتحان واضح: إما أن تشرح للرأي العام منطق الاختيار، أو تترك الشك يملأ الفراغ.
