بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن وعد “مليون منصب شغل” رقماً عادياً في خطاب انتخابي عابر، بل كان واحداً من أكبر الالتزامات التي رُفعت أمام المغاربة مع بداية الولاية الحكومية.
غير أن أرقام سوق الشغل أعادت هذا الوعد إلى امتحانه الأصعب، بعدما كشفت اتساع المسافة بين الخطاب الرسمي حول الاستثمار والواقع اليومي الذي يعيشه آلاف الباحثين عن العمل.
فحسب معطيات المندوبية السامية للتخطيط، بلغ معدل البطالة 13,7 في المائة خلال الفصل الأول من سنة 2024، مع ارتفاع عدد العاطلين إلى حوالي مليون و645 ألف شخص.
وفي المقابل، تحدثت قراءات اقتصادية وسياسية لحصيلة منتصف الولاية عن فقدان ما يقارب 435 ألف منصب شغل مقارنة ببداية الولاية.
هنا تبدأ المفارقة الثقيلة: كيف يمكن لخطاب حكومي يتحدث عن جاذبية الاستثمار، والأوراش الكبرى، وتحريك الاقتصاد، أن يتعايش مع سوق شغل ينزف بهذا الحجم؟
السؤال لا يتعلق بالاستثمار في حد ذاته، بل بأثره الاجتماعي فالمؤشرات الكبرى قد تبدو مطمئنة في العروض الرسمية، لكن قيمتها الحقيقية تقاس بما تخلقه من فرص عمل، وبمدى وصولها إلى الشباب، والمقاولات الصغيرة، والأسر التي تنتظر دخلاً ثابتاً لا لغة تقنية جديدة.
ما تكشفه أرقام البطالة هو أن جزءاً من الدينامية الاقتصادية لم يتحول بعد إلى تشغيل واسع ومستدام.
قد تتحرك المشاريع، وقد ترتفع الاستثمارات، وقد تتعدد البرامج، لكن المواطن لا يقيس الحصيلة بعدد البلاغات، بل بعدد فرص العمل التي تصل إلى الواقع.
ولذلك، فإن الرهان على برامج ظرفية أو حلول محدودة لا يكفي لمعالجة أزمة بهذا الحجم. سوق الشغل يحتاج إلى سياسة عميقة تحمي المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وتربط الاستثمار بالتشغيل، وتمنح الشباب سبباً حقيقياً للثقة في المستقبل.
الأخطر أن البطالة لا تعني فقط غياب دخل شهري.
إنها تعني تأجيل مشاريع حياة، وتآكل الثقة، وتوسيع الإحساس بالهشاشة داخل فئات واسعة، خصوصاً الشباب والخريجين. وحين يصبح الشغل نادراً، تصبح كل الوعود الحكومية تحت الاختبار.
اليوم، لا تحتاج الحصيلة الحكومية إلى مزيد من التجميل، بل إلى جواب واضح: لماذا لم يتحول الاستثمار إلى فرص عمل بالقدر الذي وُعد به المغاربة؟ ولماذا بقي شعار “مليون منصب شغل” بعيداً عن الواقع الذي تكشفه الأرقام؟
فالاقتصاد الذي لا يترجم حركته إلى استقرار اجتماعي يبقى ناقص الأثر، مهما بدا قوياً في المؤشرات.
والحكومة التي رفعت وعد التشغيل مطالبة اليوم بأن تشرح للمغاربة كيف انتقلنا من أفق “مليون منصب” إلى نقاش حول فقدان مئات الآلاف من فرص الشغل.
الرهان الحقيقي اليوم ليس في القدرة على تبرير العجز بلغة “الإكراهات”، بل في الشجاعة على الاعتراف بأن المحرك الاقتصادي الحالي ينتج نمواً بارداً لا يشعر به المغاربة في جيوبهم ولا في مستقبل أبنائهم. فإذا كان الاستثمار هو قلب الاقتصاد، فإن التشغيل هو نبضه الحقيقي؛ وبدون هذا النبض، تبقى المنجزات الكبرى ناقصة الروح الاجتماعية، مهما بدت لامعة في الصور والعروض الرسمية.
المغاربة لم يصوتوا على مؤشرات تقنية جافة، بل صوتوا على أمل في التغيير وتحسين شروط العيش.
لذلك لم يعد السؤال فقط: متى يتحقق الوعد؟ بل صار السؤال الأثقل: هل تملك الحكومة الإرادة والقدرة على تصحيح المسار قبل أن يتحول نزيف المناصب إلى جرح أعمق في ثقة المواطن بالسياسات العمومية؟
لا تُقاس الحصيلة بما يقال فوق المنصات، بل بما يتغير في حياة الناس والشغل، قبل أن يكون رقماً في تقرير رسمي، هو أول مفتاح للكرامة، وأول امتحان حقيقي لأي حكومة وعدت المغاربة بأن تجعل التشغيل عنواناً لمرحلتها.
