بقلم: الباز عبدالإله
“للحديث بقية” يفتح سؤال الحياد بعد حلقة إدريس الأزمي… بين صرامة السؤال وشبهة الدفاع عن الرواية الحكومية
لم يكن مرور إدريس الأزمي الإدريسي، القيادي في حزب العدالة والتنمية، في برنامج “للحديث بقية” على القناة الأولى، مجرد حلقة سياسية عادية ضمن برمجة حوارية جديدة.
فقد تحوّل هذا المرور، في نظر عدد من المتابعين، إلى مناسبة لطرح سؤال أوسع من مضمون الحلقة نفسها: هل يدفع المواطن فاتورة الإعلام العمومي من أجل أن يشاهد نقاشاً ديمقراطياً متوازناً، أم يجد نفسه أمام مرافعة سياسية تبدو أقرب إلى الدفاع عن الرواية الحكومية؟
هذا السؤال لا يتعلق بتفصيل عابر في طريقة إدارة الحوار، بل بجوهر الخدمة العمومية في الإعلام السمعي البصري.
فالتلفزة العمومية ليست قناة خاصة، ولا منبراً حزبياً، ولا فضاءً مفتوحاً لخدمة رواية سياسية دون أخرى.
إنها مؤسسة ممولة، بشكل مباشر أو غير مباشر، من المال العام، ومن حق المواطن أن ينتظر منها نقاشاً يضع الحكومة والمعارضة أمام المسافة نفسها من السؤال والمحاسبة.
برنامج “للحديث بقية” يحمل في عنوانه وعداً بالحوار المفتوح، وبأن النقاش لا ينتهي عند جواب أول ولا عند رواية واحدة.
غير أن حلقة إدريس الأزمي فتحت سؤالاً مهنياً حساساً: أين تنتهي صرامة الصحفي في مساءلة ضيفه؟ وأين تبدأ شبهة الدفاع عن الحصيلة الرسمية؟ فالفرق كبير بين صحفي يطرح أسئلة صعبة باسم الجمهور، وبين محاور يمنح المشاهد انطباعاً بأنه دخل النقاش وفي ذهنه جواب مسبق يريد تثبيته.
لا أحد يطالب بصحافة المجاملات. وإدريس الأزمي، بصفته قيادياً في حزب قاد الحكومة لولايتين، لا ينبغي أن يُعامل كضيف فوق المساءلة.
من حق الصحفي، بل من واجبه، أن يسأله عن إرث حزبه، وعن تناقضات موقعه الحالي في المعارضة، وعن الفرق بين خطاب العدالة والتنمية وهو في السلطة وخطابه اليوم وهو خارجها.
هذه أسئلة مشروعة وضرورية، لأن المعارضة بدورها مطالبة بتقديم أجوبة لا شعارات فقط.
لكن السؤال الصعب شيء، والمرافعة السياسية شيء آخر. حين يشعر المشاهد أن المحاور لا يضغط على الضيف فقط، بل يعاكسه من موقع قريب من حماية الحكومة، فإننا نكون أمام إشكال يتجاوز شخص المقدم أو الحلقة. هنا يصبح النقاش حول وظيفة الإعلام العمومي نفسه: هل هو وكيل أسئلة المواطن، أم درع غير معلن يتلقى الضربات نيابة عن السلطة التنفيذية؟
المفارقة أن الحلقة جاءت في سياق اجتماعي واقتصادي حساس، حيث لا تزال ملفات الأسعار، والتضخم، وكلفة المعيشة، والدعم، والتغطية الصحية، وسوق الشغل، حاضرة بقوة في النقاش العمومي. وهي ملفات لا تحتمل التجميل ولا الاختزال.
المواطن الذي يواجه ضغط المعيشة لا ينتظر من التلفزة العمومية أن تخفف وقع الأسئلة على الحكومة، ولا أن تمنح المعارضة انتصاراً مجانياً، بل ينتظر نقاشاً يضع الأرقام في مواجهة الخطاب، والحصيلة في مواجهة الواقع.
هنا يظهر الامتحان الحقيقي للسمعي البصري العمومي في المغرب.
فالتعددية ليست فقط أن نستضيف وجهاً من المعارضة أمام الكاميرا، بل أن يشعر المشاهد أن قواعد الحوار عادلة.
السؤال الصعب يجب أن يوجَّه للجميع. المقاطعة يجب أن تخضع للمعيار نفسه. التدقيق في الأرقام يجب أن يطال الحكومة كما يطال المعارضة.
أما حين ترتفع الحدة فقط عندما يُنتقد الأداء الحكومي، فإن المشكل لا يعود في الضيف، بل في هندسة النقاش نفسها.
وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري، المعروفة اختصاراً بـ“الهاكا”، باعتبارها المؤسسة المكلفة بتتبع احترام مبادئ التعددية والإنصاف والتوازن داخل البرامج ذات الطبيعة السياسية والإخبارية.
فدفاتر التحملات وروح التنظيم السمعي البصري لا تتعامل مع الإعلام العمومي كفضاء تقني للبث فقط، بل كخدمة عمومية مطالبة بضمان ولوج عادل لمختلف الآراء، وبإدارة النقاش السياسي بما يحفظ حق المواطن في إعلام متوازن.
لذلك، حين يشعر جزء من الجمهور بأن الحوار يميل إلى حماية طرف حكومي أو إلى تضييق مساحة النقد، فإن السؤال لا يبقى مجرد ملاحظة ذوقية حول أسلوب منشط، بل يتحول إلى سؤال مؤسساتي حول مدى وفاء التلفزة العمومية لالتزاماتها المهنية والأخلاقية.
فالميكروفون العمومي ليس ملكاً للمحاور، ولا للضيف، ولا للحكومة، بل هو أمانة أمام المواطن.
الانحياز الأخطر ليس دائماً ذلك الذي يقال بصوت مرتفع.
أحياناً يظهر في التفاصيل الصغيرة: في نبرة السؤال، في توقيت المقاطعة، في طريقة إعادة صياغة جواب الضيف، وفي الزوايا التي تُفتح وتلك التي تُغلق بسرعة.
لذلك، فإن المهنية لا تُقاس فقط بقدرة الصحفي على إحراج ضيفه، بل بقدرته على ألا يتحول هو نفسه إلى طرف داخل السجال.
الإعلامي يوسف بلهيسي يملك الحق الكامل في أن يكون محاوراً قوياً، وأن يضغط، وأن يطلب التوضيح، وأن يرفض الأجوبة العامة.
وهذا ما تحتاجه البرامج السياسية فعلاً. لكن القوة المهنية لا تعني أن يرتدي الصحفي جبة المدافع عن طرف سياسي، ولو من باب الحماس أو الرغبة في موازنة خطاب الضيف.
القوة الحقيقية هي أن يطرح السؤال القاسي دون أن يمنح الجمهور إحساساً بأن الجواب المرغوب فيه حاضر مسبقاً.
من هنا، فإن النقاش حول حلقة “للحديث بقية” لا ينبغي أن يتحول إلى محاكمة لشخص مقدم البرنامج، بقدر ما يجب أن يُقرأ كإنذار مهني أوسع.
التلفزة العمومية، وهي ممولة من المال العام، مطالبة بأن تقف في المسافة الصعبة: قريبة من المواطن، بعيدة عن الاصطفاف، حادة في السؤال، منصفة في إدارة الحوار.
فلا حكومة فوق المساءلة، ولا معارضة خارج المحاسبة، ولا برنامج عمومي يملك ترف الظهور بمظهر الملحق الإعلامي لأي جهة.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، تزداد حساسية هذا النقاش، فكلما اقتربت السياسة من لحظات الحسم، صار الإعلام العمومي مطالباً أكثر بتقديم ضمانات الثقة، لا بإنتاج مزيد من الشك. لأن المشاهد لا يراقب فقط ما يقال داخل الأستوديو، بل يراقب أيضاً كيف يقال، ومن يُقاطع، ومن يُترك يتحدث، وأي فكرة تُدفع إلى الواجهة، وأي سؤال يتم تجاوزه.
إن “للحديث بقية” عنوان جميل وذكي، لكنه يلزم أصحابه قبل غيرهم.
فبقية الحديث لا ينبغي أن تكون محجوزة للرواية الرسمية، ولا ممنوحة للمعارضة دون تدقيق، بل مفتوحة أمام المواطن الذي يريد أن يفهم لا أن يُوجَّه، يريد أن يسمع سؤالاً حقيقياً، لا مرافعة مقنّعة.
يريد إعلاماً عمومياً يضع الحكومة والمعارضة أمام المرآة نفسها، لا أمام مرايا مختلفة الأحجام.
ما يحتاجه المشاهد المغربي اليوم ليس توتراً مصطنعاً داخل الأستوديو، ولا مواجهة شكلية تنتج الضجيج أكثر مما تنتج الفهم يحتاج إلى صحافة تقف في المكان الأصعب: تسائل الحكومة حين تحكم، وتسائل المعارضة حين تعارض، وتنتصر في النهاية لحق المواطن في إعلام عمومي لا يميل إلا إلى الحقيقة.
وهنا تبقى المعادلة واضحة: حين يكون الإعلام باسم الخدمة العمومية، فإن المواطن لا يؤدي فاتورته ليشاهد مرافعة سياسية، بل ليتابع نقاشاً ديمقراطياً حقيقياً. وحين يكون العنوان هو “للحديث بقية”، فإن أول شرط لهذه البقية أن تكون عادلة، حرة، ومفتوحة للجميع.
