بقلم: الباز عبدالإله
وجّه الكاتب والباحث إدريس الكنبوري، عبر تدوينة نشرها على صفحته بموقع فيسبوك، نقداً حاداً إلى ما وصفه بـ“محترفي السياسة وتجار الانتخابات” في المغرب، معتبراً أن جزءاً من الخطاب السياسي الذي يعود إلى الواجهة مع اقتراب كل محطة انتخابية لم يعد قادراً على إقناع الرأي العام، لأنه يعيد إنتاج الوعود نفسها، بالوجوه نفسها، وباللغة نفسها.
واعتبر الكنبوري أن بعض الفاعلين السياسيين، ممن شاركوا في صناعة السياسات العمومية أو استفادوا من مواقع القرار، يعودون اليوم إلى موقع الناقد، وكأنهم لم يكونوا جزءاً من المسار الذي أوصل البلاد إلى أعطابها الاجتماعية والاقتصادية.
وفي قراءته، لم يعد الحديث المتكرر عن “مغرب الغد” مجرد شعار انتخابي عابر، بل أصبح، عند بعض السياسيين، وسيلة لإطالة عمر الوعود بدل تحويلها إلى منجزات ملموسة. فكلما ظل الفقر والهشاشة واللامساواة والحكرة حاضرة في حياة فئات واسعة من المواطنين، وجد الخطاب الانتخابي مادة جاهزة لتسويق أمل جديد، غالباً ما يتأخر موعده مع الواقع.
التدوينة ذهبت أبعد من مجرد انتقاد موسمي للانتخابات، وطرحت سؤالاً أعمق حول طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.
فالكنبوري يرى أن المغرب يتحدث كثيراً عن عمق الدولة وامتدادها التاريخي، لكنه، في المقابل، لا يمنح المجتمع الاعتراف السياسي والاجتماعي الذي يستحقه، وكأن المواطن لا يزال موضوعاً للتدبير، لا شريكاً كاملاً في القرار والحق والمحاسبة.
ومن بين أقوى ما حملته التدوينة، ربطها بين استمرار الأعطاب الاجتماعية وبين الحاجة الدائمة إلى صناعة خطاب انتخابي جديد.
فحين لا تُحل المشاكل من جذورها، تبقى قابلة للاستعمال في كل حملة انتخابية. يعود السياسي ليعد الناس بإصلاح ما ظل يتراكم لسنوات، ثم يختفي بعد الاقتراع داخل منطق المواقع والمصالح، قبل أن يعود بالخطاب نفسه في موسم جديد.
وانتقد الكنبوري أيضاً ما اعتبره تكراراً للوجوه والخطابات، معتبراً أن الوجوه التي “اغتنت” أو استفادت من الزمن السياسي والانتخابي لا يمكن أن تنتج تغييراً حقيقياً بمجرد دخولها انتخابات جديدة.
وفي هذا السياق، توقف عند مفارقة دستورية وسياسية لافتة: دستور يربط المسؤولية بالمحاسبة، وقوانين تفرض التصريح بالممتلكات، لكن المواطن لا يرى دائماً أثراً واضحاً لهذه الآليات حين يتعلق الأمر بأصحاب النفوذ أو بالمواقع الكبرى.
كما حمّل الكنبوري الدولة جانباً من المسؤولية، من زاوية مساءلة طريقة تدبير الحقل السياسي، معتبراً أن غض الطرف عن بعض مظاهر الفساد، أو التساهل معها، لا يحمي الاستقرار كما قد يعتقد البعض، بل يوسع فجوة الثقة بين المجتمع والمؤسسات.
فالرهان، كما يفهم من تدوينته، لم يعد في ضبط اللعبة السياسية فقط، بل في استعادة ثقة مجتمع أصبح أكثر وعياً، وأكثر قدرة على المقارنة، وأكثر حساسية تجاه الفوارق بين الخطاب والواقع.
واللافت في موقف الكنبوري أنه لا يضع السياسيين وحدهم في قفص الاتهام، بل يدعو ضمنياً إلى إعادة قراءة التحولات العميقة داخل المجتمع.
فالرأي العام لم يعد ذلك الجسم الصامت الذي يمكن توجيهه بالبلاغات والخطابات الموسمية، بل أصبح فضاءً ناقداً ومتابعاً لما يجري في السياسة والمال والانتخابات.
ومن هنا تأتي دعوته إلى الإنصات أكثر إلى نبض مواقع التواصل الاجتماعي، لا باعتبارها فضاءً للفوضى فقط، بل باعتبارها مرآة لوعي عام يتشكل خارج القنوات التقليدية، وبسرعة أكبر من قدرة بعض الفاعلين على استيعابه.
رسالة التدوينة، في عمقها، لا تتعلق فقط بانتقاد موسم انتخابي مقبل، بل بسؤال الثقة.
فحين يشعر المواطن أن الخطاب يتغير ولا يتغير الواقع، وأن الوجوه نفسها تعود بوعود جديدة، وأن المحاسبة لا تترك دائماً أثراً واضحاً في الحياة العامة، فإن المشكلة لا تعود في الحملة الانتخابية وحدها، بل في قواعد اللعبة كلها.
بهذا المعنى، أعاد الكنبوري فتح ملف حساس: هل يمكن إنتاج مغرب جديد بأدوات سياسية قديمة؟
وهل تكفي الانتخابات وحدها لصناعة التغيير، إذا كان من يدخلها هم أنفسهم من استفادوا من أعطابها؟
تدوينة واحدة، لكنها وضعت الإصبع على جرح واسع: جرح السياسة حين تتحول إلى مهنة، والانتخابات حين تتحول إلى موسم، والمواطن حين يُطلب منه أن يصدق الوعود نفسها كل خمس سنوات، كأن الذاكرة العامة تبدأ من جديد مع كل حملة.
