بقلم: الباز عبدالإله
عاد إلى الواجهة، خلال الأيام الأخيرة، نقاش قديم على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما أعاد عدد من النشطاء تداول ملف يتعلق بدعم قُدّر بـ 11 مليون درهم، أي ما يعادل ملياراً و100 مليون سنتيم، لفائدة مشروع في قطاع تربية الرخويات بمدينة الداخلة، ارتبط اسمه ببرلماني من حزب التجمع الوطني للأحرار، مبارك حمية، في عهد إشراف زكية الدريوش على قطاع الصيد البحري.
الملف ليس جديداً، ويعود إلى ماي 2025، غير أن عودته إلى النقاش الرقمي لم تكن بلا معنى.
فبعض الملفات لا تشيخ بمجرد مرور الوقت، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالدعم العمومي، وبأرقام كبيرة، وبأسئلة ظلت معلقة حول الحصيلة، والأثر، ومعايير الاستفادة.
في مثل هذه الأيام المباركة، حيث يفكر المواطن البسيط في مصاريف الحياة، وفي قيمة مساعدة صغيرة قد تغيّر وضع أسرة كاملة، يجد الرأي العام نفسه أمام رقم يحتاج إلى أكثر من آلة حاسبة.
مليار و100 مليون سنتيم تعني تقريباً 157 مرة ديال 7 المليون.
رقم ضخم، لكنه لا يجب أن يحجب السؤال الأهم: ماذا وقع بعد الدعم؟
أين وصل المشروع اليوم؟
هل دخل مرحلة الإنتاج فعلاً؟
كم منصب شغل خلق؟
هل استفادت منه المنطقة؟
هل وصل أثره إلى السوق الداخلية؟
وهل استفاد المواطن المغربي من هذا المشروع، أم أن المنتوج، إن وُجد، توجه أساساً نحو التصدير والأسواق الخارجية؟
هذه الأسئلة ليست حملة ضد الاستثمار، ولا تشويشاً على قطاع منتج، ولا استهدافاً لشخص بعينه.
إنها أسئلة طبيعية حين يتعلق الأمر بدعم عمومي كبير، وبمستفيد يحمل صفة سياسية داخل حزب يوجد في قلب الأغلبية الحكومية.
الوزارة، في توضيحات سابقة، شددت على أن الأمر لا يتعلق بتحويل مالي مباشر، بل بدعم عيني وتجهيزات وآليات مرتبطة ببرنامج وطني لتطوير تربية الأحياء المائية، ومؤطر بدفتر تحملات ومساطر تقنية ومالية.
هذا التوضيح مهم من الناحية الإدارية.
لكنه لا يغلق النقاش من الناحية السياسية.
لأن المواطن لا يسأل فقط عن طبيعة الدعم، هل كان مالاً مباشراً أم تجهيزات.
المواطن يسأل عن النتيجة.
وحين يتحول ملف من هذا النوع إلى مادة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي، فذلك يعني أن هناك فراغاً في المعلومة، وأن الحصيلة لم تُعرض بما يكفي لإقناع الرأي العام.
ليس عيباً أن يستفيد مستثمر من برنامج عمومي.
وليس جريمة أن يكون المستفيد منتمياً إلى حزب سياسي.
لكن حين يجتمع الدعم العمومي، والانتماء الحزبي، والمسؤولية الحكومية، والمبلغ الكبير، يصبح واجب الشفافية أكبر من المعتاد.
هنا لا يكفي أن يقال إن المسطرة قانونية.
القانونية شرط أساسي.
لكن الثقة العمومية تحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك.
تحتاج إلى حصيلة واضحة، وأرقام منشورة، ومعايير معلنة، وجواب مباشر على سؤال بسيط:
ماذا ربح المواطن من هذا الدعم؟
فإذا كان المشروع ناجحاً، فليُقدَّم للرأي العام كنموذج بالأرقام.
وإذا كان قد خلق مناصب شغل، فلتُعلن الحصيلة.
وإذا كان قد ساهم في تقوية الإنتاج الوطني، فليُشرح أثره على السوق.
وإذا كان المنتوج موجهاً للتصدير، فليُبيَّن كيف يعود ذلك على الاقتصاد المحلي، وعلى المنطقة، وعلى فرص الشغل.
أما أن يبقى الرقم حاضراً، وتغيب الحصيلة، فذلك ما يجعل الملف يعود كل مرة إلى الواجهة، لا باعتباره خبراً جديداً، بل باعتباره سؤالاً قديماً لم يجد جواباً مقنعاً.
المغرب لا يحتاج فقط إلى إطلاق برامج الدعم.
يحتاج أيضاً إلى ثقافة تتبع.
فالدعم العمومي لا ينبغي أن ينتهي عند لحظة الإعلان، ولا عند صورة اللقاء، ولا عند التوضيح الإداري الأول.
الدعم العمومي يجب أن يُقاس بما يتركه بعد ذلك من أثر واضح: إنتاج، شغل، قيمة مضافة، عدالة في الولوج، وفرص حقيقية للمهنيين الصغار والشباب والتعاونيات.
ولهذا، فإن عودة ملف زكية الدريوش ومبارك حمية إلى النقاش الرقمي تكشف شيئاً أعمق من مجرد غضب عابر.
تكشف أن المواطن لم يعد يكتفي بسماع لغة البرامج والمخططات.
يريد أن يرى النتيجة.
يريد أن يعرف من استفاد.
ويريد أن يفهم لماذا تبدو أبواب الدعم واسعة أمام بعض الملفات، بينما تظل ضيقة أمام فئات أخرى تبحث فقط عن فرصة صغيرة للانطلاق.
المشكل، في النهاية، ليس فقط في مليار و100 مليون سنتيم.
المشكل في السؤال الذي ما زال واقفاً عند الباب:
الدعم خرج.
لكن أين وصل الأثر؟
ومن استفاد فعلاً؟
