فتحت الصحافية بدرية عطا الله، في حلقة جديدة من برنامجها “ديرها غير زوينة”، واحداً من أكثر الملفات حساسية في مدينة مراكش، بعدما ربطت بين قضايا التعمير والعقار، وأسئلة التدبير المحلي، ومسؤولية المؤسسات الرقابية والسياسية في التعامل مع معطيات قالت إنها موثقة وتستحق التوضيح.
الحلقة لم تكن مجرد رد إعلامي على بلاغات أو مواقف سياسية، بل جاءت في شكل مرافعة صحفية حاولت من خلالها عطا الله التأكيد على أن إثارة الملفات الحساسة لا تعني استهداف الأشخاص أو العائلات أو الأحزاب، بقدر ما تعني وضع التدبير العمومي تحت مجهر السؤال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالعقار، والتعمير، وسرعة المساطر، وطريقة تدبير المصالح.
وفي صلب هذه المرافعة، عادت الصحافية إلى ملف مشروع عقاري قالت إنه يرتبط بأرض تناهز 66 هكتاراً، وبمشروع يضم حوالي 1860 فيلا، موضحة أن جوهر النقاش، من وجهة نظرها، لا يتعلق بحق البيع أو بمصدر الملكية، بل بسرعة المساطر والترخيصات والتغييرات المرتبطة بالتعمير.
السؤال الذي طرحته عطا الله كان واضحاً: هل تتحرك الإدارة بنفس السرعة حين يتعلق الأمر بمصالح المواطنين العاديين؟ وهل تحظى المشاريع العمومية والمصالح الاجتماعية بنفس الفعالية التي تظهر في بعض الملفات العقارية الكبرى؟
بهذا المعنى، حاولت الصحافية نقل النقاش من دائرة الأشخاص إلى دائرة التدبير، ومن منطق الردود السياسية إلى منطق الوثائق والتوضيحات. واعتبرت أن الجواب المهني الوحيد القادر على إنهاء الجدل هو خروج المعنيين ببلاغ واضح يشرح للرأي العام هل الوثائق والمعطيات المتداولة صحيحة أم غير صحيحة.
كما توقفت عطا الله عند ردود بعض مكونات حزب الأصالة والمعاصرة، معتبرة أن ما صدر عنها، بدل أن يجيب عن أصل الأسئلة، اتجه نحو تحويل النقاش إلى مواجهة شخصية وسياسية. وشددت على أن انتقاد فاطمة الزهراء المنصوري، بصفتها مسؤولة سياسية ومنتخبة وفاعلة في تدبير الشأن العام، لا علاقة له بعائلتها ولا بتاريخها الشخصي، بل يرتبط فقط بالتدبير المحلي والأسئلة التي تثيرها الوثائق.
وفي السياق نفسه، تطرقت الصحافية إلى أسماء أخرى من بينها سمير كودار وطارق حنيش، لكنها ربطت ذلك بما قالت إنها معطيات تحتاج إلى أجوبة دقيقة وواضحة، معتبرة أن الرأي العام لا يحتاج إلى تبادل الاتهامات، بقدر ما يحتاج إلى توضيح رسمي يضع النقط على الحروف.
وأشارت عطا الله إلى أن بعض ما أثارته لا يستند فقط إلى نقاش إعلامي، بل إلى مراسلات وتقارير رسمية، من بينها ما نسبته إلى مراسلة الوالي وتقرير المفتشية العامة، إضافة إلى إجراءات مرتبطة بملفات العزل في تسلطانت. وهو ما يجعل الملف، في نظرها، أكبر من مجرد سجال عابر بين صحافة وسياسيين.
ومن هنا جاء سؤال المعارضة. فقد وجهت الصحافية نداءً مباشراً إلى أحزاب المعارضة بمختلف فرقها البرلمانية، متسائلة عن سبب غياب مبادرات قوية لطلب تشكيل لجنة استطلاعية أو لتقصي الحقائق حول التدبير العقاري والجماعي في مراكش.
فحين تصل الملفات إلى هذا المستوى من الجدل العمومي، لا يفترض أن تبقى الصحافة وحدها في الواجهة. البرلمان يملك آليات الرقابة، والأحزاب تملك حق السؤال والمساءلة، والمؤسسات المختصة تملك صلاحيات البحث والتدقيق والإحالة عند الاقتضاء.
كما دعت عطا الله المجلس الأعلى للحسابات، والهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، إلى التفاعل مع الملفات التي يتداولها الرأي العام، خصوصاً حين يتعلق الأمر بشبهات استغلال النفوذ أو اختلالات محتملة في تدبير العقار والتعمير.
ولم تقف الحلقة عند مراكش وحدها.
فقد انتقلت عطا الله إلى انتقاد وزارة الداخلية بسبب ما وصفته بالتضييق على ندوة علمية كان يفترض أن تناقش كتاباً حول وثائق تاريخية مرتبطة بمحمد بن عبد الكريم الخطابي وعلاقته بالاستعمار الإسباني خلال فترة الحماية.
واعتبرت أن منع ندوة فكرية حول كتاب منشور بشكل قانوني يطرح سؤالاً مقلقاً حول علاقة الإدارة بالنقاش العلمي والبحث التاريخي، خصوصاً حين يتعلق الأمر بملفات يفترض أن تفتح أمام الباحثين لا أن تغلق في وجههم.
وفي جزء سياسي آخر، توقفت عطا الله عند أجواء ما قبل الانتخابات، وحالة التهافت الحزبي، والاستقالات، وبعض الترشيحات التي تسبق الاستحقاقات المقبلة. واعتبرت أن بعض القرارات الحزبية، حتى حين تكون قانونية من حيث الشكل، تحتاج إلى احترام سياسي واعتباري للساكنة والفاعلين المحليين.
وتطرقت، في هذا الإطار، إلى ما يتم تداوله حول احتمال ترشيح وزير التعليم العالي عز الدين الميداوي في الرحامنة، متسائلة عن منطق إنزال أسماء سياسية في مناطق لا تنتمي إليها بالضرورة، دون نقاش محلي واضح أو تشاور مع الفاعلين والساكنة.
وختمت بدرية عطا الله حلقتها بالتأكيد على أن المسار الذي فتحته لا يستهدف تصفية الحسابات، ولا المساس بالعائلات، ولا ضرب الأحزاب، بل يضع التدبير العمومي أمام سؤال الوضوح والمحاسبة.
وبين عقار مراكش، وصمت المعارضة، وانتظار المؤسسات الرقابية، بدا خطاب عطا الله أقرب إلى رسالة مباشرة: حين تكون الوثائق حاضرة، لا يكفي الرد بالغضب، ولا تكفي البلاغات العامة. المطلوب جواب واضح، لأن الرأي العام لا يبحث عن الضجيج، بل عن الحقيقة.
