بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد رقمنة الإدارة في المغرب مجرد شعار تقني جميل، ولا واجهة حديثة تزيّن خطابات الإصلاح، بل أصبحت ملفاً اجتماعياً يمس علاقة المواطن بالدولة، وبحقه في الولوج السهل والمنصف إلى الخدمة العمومية.
ففي وثيقة حديثة صادرة عن البنك الدولي حول برنامج تسريع التحول الرقمي في المغرب، تحت رقم P513936، يبرز أن الرقمنة، رغم ما تحمله من وعود كبيرة، قد تتحول إلى عامل إقصاء إذا لم تُصمم بطريقة تراعي الفئات الهشة، والمواطنين البعيدين عن العالم الرقمي، والأشخاص في وضعية إعاقة، وسكان المناطق التي ما زالت تحتاج إلى خدمات قرب أكثر من حاجتها إلى منصات إلكترونية معقدة.
الوثيقة، التي تندرج ضمن التقييم البيئي والاجتماعي للأنظمة، تتحدث عن برنامج يمتد على خمس سنوات في إطار استراتيجية Maroc Digital 2030، تحت تنسيق وزارة الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة.
والهدف المعلن هو تسريع رقمنة الإدارة، وتوسيع الخدمات الإلكترونية، ودعم المقاولات الناشئة، وتقوية مساهمة الاقتصاد الرقمي في النمو والتشغيل.
في الظاهر، تبدو الصورة مغرية: إدارة أسرع، ورق أقل، تنقل أقل، وطوابير أقل، لكن السؤال الحقيقي ليس هل الرقمنة ضرورية، بل أي رقمنة نريد؟ رقمنة تقرّب الإدارة من المواطن، أم رقمنة تجعل المواطن البسيط يضيع بين كلمة السر، ورمز التحقق، والمنصة التي لا تفتح، والموظف الذي يقول له ببساطة: “سير ديرها أونلاين”؟
أهمية وثيقة البنك الدولي أنها لا تكتفي بالحديث عن مزايا الرقمنة، بل تنبه إلى مخاطرها الاجتماعية، ومنها الفجوة الرقمية، والحواجز اللغوية، وصعوبة الولوج بالنسبة للأشخاص في وضعية إعاقة، وحماية المعطيات الشخصية، والثقة في المنصات، واحتمال الإقصاء بسبب تصميم خدمات لا يفهمها أو لا يستطيع استعمالها الجميع.
وهنا يصبح السؤال أكبر من التقنية، فحين لا يفهم المواطن المنصة، فهو لا يستفيد من الخدمة، وحين لا يستطيع شخص مسن إنجاز طلب رقمي، فهو لا يعيش الإصلاح، بل يعيش الإقصاء.
وحين تجد ساكنة منطقة بعيدة نفسها أمام خدمة لا تُنجز إلا عبر الإنترنت، تصبح الرقمنة حاجزاً جديداً بدل أن تكون جسراً نحو الإدارة.
وتشير الوثيقة أيضاً إلى أهمية الحفاظ على قنوات مختلطة وقريبة من المواطن، وعدم إغلاق الأبواب التقليدية دفعة واحدة.
فالإدماج الرقمي لا يتحقق فقط بإطلاق منصات جديدة، بل يحتاج إلى مراكز قرب، وموظفين يساعدون، ولغة بسيطة، ومنصات مفهومة، وحماية للمعطيات، ومواكبة فعلية للفئات التي لا تملك الوسائل أو المعرفة الرقمية الكافية.
المغرب يحتاج الرقمنة، نعم، ويحتاج إدارة أسرع وأقل احتكاكاً وأكثر شفافية، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى رقمنة بوجه إنساني، لا تترك المواطن وحيداً أمام شاشة لا ترحمه، ولا تختصر الإصلاح في منصة، ولا تختصر المواطن في رقم ملف.
لذلك، فإن وثيقة البنك الدولي لا ينبغي أن تُقرأ كرفض للتحول الرقمي، بل كتنبيه إلى أن الرقمنة الحقيقية لا تعني تحديث الحواسيب فقط، بل تحديث العلاقة بين الدولة والمواطن.
إما أن تكون جسراً نحو إدارة عادلة وسهلة وقريبة، وإما أن تصبح باباً جديداً من أبواب الإقصاء، لكن هذه المرة بكلمة سر.
