بقلم: الباز عبدالإله
لم تعد مراجعة رواتب عدد من رجال السلطة مجرد إجراء إداري عابر داخل وزارة الداخلية، بل تحولت إلى ملف يطرح سؤالاً أوسع حول طبيعة التوازن المهني داخل واحدة من أكثر الوزارات حضوراً في تدبير الحياة اليومية للمواطنين.
فقد أوردت جريدة “الصباح”، في مقال بعنوان “زيادات في رواتب كبار مسؤولي الداخلية”، أن وزارة الداخلية حركت ملف أجور عدد من كبار مسؤوليها، بعدما كانت زيادة سابقة قد شملت القياد ورؤساء الدوائر والباشوات بقيمة 7000 درهم على مرحلتين، قبل أن تمتد المراجعة إلى رتب أعلى داخل هرم الإدارة الترابية.
ووفق المعطيات التي نشرتها الجريدة، شملت الزيادات الجديدة الباشوات الممتازين والكتاب العامين والعمال والولاة، حيث قُدرت بـ10 آلاف درهم بالنسبة إلى الباشوات الممتازين والكتاب العامين، و15 ألف درهم بالنسبة إلى العمال، و20 ألف درهم بالنسبة إلى الولاة.
من حيث المبدأ، لا يحمل تحسين الوضعية المادية لرجال السلطة أي إشكال في حد ذاته.
فهذه الفئة توجد في قلب الضغط الترابي، وتتحمل مسؤوليات مباشرة في تدبير الأزمات، ومواكبة المشاريع، وتتبع السياسات العمومية، وضمان حضور الدولة في المجال.
لكن النقاش لا يقف عند حدود الزيادة، بل يمتد إلى سؤال أعمق: هل يمكن بناء إدارة ترابية قوية بتحفيز جزء من المنظومة، وترك جزء آخر ينتظر موقعه داخل معادلة الإنصاف؟
هنا تظهر فئة الموظفين المدنيين بوزارة الداخلية، الذين يصفهم كثيرون بـ“جنود الخفاء”.
هؤلاء لا يظهرون كثيراً في الصور الرسمية، ولا تحضر أسماؤهم في البلاغات، ولا يرافقون لحظات البروتوكول، لكنهم حاضرون في قلب العمل اليومي للإدارة الترابية، من الملفات والمراسلات والتتبع الإداري، إلى مواكبة الجماعات، وإعداد الوثائق، وترتيب المعطيات، وضمان استمرارية المرفق الإداري داخل العمالات والأقاليم.
وفي هذا السياق، نقلت هسبريس، في مقال بعنوان “جواب لفتيت يغضب موظفي الداخلية”، استنكار التنسيقية الوطنية لموظفي وزارة الداخلية لجواب الوزير عبد الوافي لفتيت بمجلس المستشارين بشأن وضعية موظفي وزارته، معتبرة أن مطالب هذه الفئة ما تزال تحتاج إلى تفاعل أوضح مع حجم الأعباء التي تتحملها داخل الإدارة الترابية.
القضية هنا لا تتعلق بوضع الموظفين المدنيين في مواجهة رجال السلطة، ولا بالاعتراض على تحسين أجور من يتحملون مسؤوليات ترابية مباشرة.
القضية أعمق من ذلك، إنها تتعلق بسؤال التوازن داخل نفس البيت الإداري.
فوزارة الداخلية ليست فقط ولاة وعمالاً وقياداً وباشوات، هي أيضاً موظفون مدنيون، وأطر إدارية، وتقنيون، ومستخدمون يشتغلون بعيداً عن الواجهة، لكنهم يحملون جزءاً كبيراً من الثقل اليومي للإدارة.
وحين تُمنح وزارة الداخلية موقعاً مركزياً في تنزيل برامج تنموية كبرى، وحين تصبح مطالبة بتسريع الإنجاز، وتدقيق التتبع، وضمان النتائج، فإن نجاح هذه المرحلة لن يصنعه المسؤول الترابي وحده، مهما كانت رتبته أو حجم صلاحياته.
ووفق بلاغ الديوان الملكي المنشور على بوابة المغرب الرسمية، فقد قدم وزير الداخلية أمام جلالة الملك عرضاً حول حكامة الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، التي سيبلغ غلافها المالي الإجمالي حوالي 210 ملايير درهم على مدى ثماني سنوات، مع اعتماد آليات للحكامة والتتبع والتقييم والتدقيق.
هذا الرقم لا يتعلق بمجرد برنامج إداري عادي، بل بورش ترابي واسع يحتاج إلى إدارة متماسكة في كل حلقاتها، من القرار المركزي إلى التنفيذ المحلي، ومن المسؤولين الموجودين في الواجهة إلى الموظفين الذين يشتغلون في الخلف.
فوراء كل قرار إداري، هناك موظف يهيئ الملف.
ووراء كل مشروع، هناك من يتتبع الوثائق والمساطر.
ووراء كل لجنة، هناك من ينسق، ويرتب، ويحرر، ويجمع المعطيات.
ووراء كل واجهة ترابية، هناك آلة إدارية صامتة تشتغل دون ضجيج.
من هنا، تبدو المفارقة أكثر وضوحاً.
فالوزارة التي تراهن على النجاعة الترابية مطالبة اليوم بأن تجعل الإنصاف جزءاً من هذه النجاعة، لأن الإدارة التي تشعر بعض حلقاتها بأنها خارج معادلة التحفيز قد لا تنتج الانخراط نفسه المطلوب لإنجاح المشاريع الكبرى.
عبد الوافي لفتيت يعرف جيداً أن قوة وزارة الداخلية لا تأتي فقط من هرمها السلطوي، بل أيضاً من شبكتها الإدارية الواسعة.
وهذه الشبكة لا تشتغل بالأوامر وحدها، بل تحتاج إلى الاعتراف، والتحفيز، والشعور بالإنصاف.
وإذا كان تحريك أجور رجال السلطة رسالة موجهة إلى الصفوف الأمامية، فإن استمرار انتظار الموظفين المدنيين قد يبعث برسالة موازية مفادها أن التحفيز يبدو موجهاً أكثر إلى الواجهة، بينما تنتظر فئات أخرى داخل نفس القطاع التفاتة مماثلة.
وهنا يظهر البعد الأعمق في الملف: كيف يمكن مواجهة “مغرب السرعتين” بإدارة تشعر بعض مكوناتها بأن الإنصاف يتحرك داخلها بسرعات مختلفة؟
المرحلة المقبلة ثقيلة، والرهان التنموي كبير، والحديث عن 210 ملايير درهم ليس رقماً عادياً في دفتر المشاريع، بل امتحان واسع لقدرة الإدارة الترابية على تحويل البرامج إلى نتائج ملموسة فوق الأرض.
لكن هذه النتائج لن تصنعها الواجهات وحدها.
تصنعها أيضاً المكاتب الخلفية، والموظفون الذين لا يراهم المواطن، لكنهم يلمسون يومياً ضغط الوثائق، وتعقيد المساطر، وكثرة الانتظارات، وثقل المسؤولية الصامتة.
لذلك، فإن مطلب موظفي وزارة الداخلية لا يبدو مجرد ملف فئوي محدود، بل جزءاً من سؤال أكبر حول معنى العدالة المهنية داخل الإدارة العمومية.
فالداخلية التي يُطلب منها أن تواكب التنمية، وتسرع المشاريع، وتؤطر المجال، وتضمن حضور الدولة، تحتاج أولاً إلى أن تشعر كل مكوناتها بأن الإنصاف لا يتوقف عند الرتب العليا.
الإدارة القوية لا تُبنى فقط بالقرارات الكبرى، ولا بالتحفيز الموجه إلى الصفوف الأمامية وحدها.
تُبنى أيضاً بموظف مدني يشعر أن المؤسسة التي يشتغل داخلها لا تراه مجرد رقم في مكتب، بل حلقة أساسية في منظومة لا يمكن أن تنجح إذا ظل بعض أفرادها يعملون في الظل وينتظرون الاعتراف.
لا أحد يعترض على تحفيز رجال السلطة، لكن قوة الإدارة الترابية لا تكتمل إلا حين يصل الإنصاف إلى كل حلقاتها.
ومن داخل هذا النقاش، يطل مطلب “جنود الخفاء” كاختبار حقيقي لمدى قدرة وزارة الداخلية على جعل التحفيز شاملاً، لا موجهاً إلى الواجهة فقط.
