بقلم: الباز عبدالإله
لم يكن النقاش الذي عرفته جلسة الأسئلة الشفوية بمجلس النواب، اليوم الإثنين 11 ماي 2026، حول المنح الجامعية، مجرد تبادل عادي للأسئلة والأجوبة بين النواب ووزير التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار.
كان النقاش، في جوهره، اختباراً سياسياً واجتماعياً لسؤال أكبر من قيمة المنحة نفسها: كيف يمكن لقطاع بميزانية تقدر بالملايير أن يعترف في الوقت نفسه بهزالة المنحة، وأن يفتح الباب أمام الجماعات الترابية والمحسنين للمساهمة في دعمها؟
الوزير عز الدين ميداوي أقر أمام البرلمان بأن المنحة الجامعية هزيلة، وبأن تعميمها يصطدم بإكراهات مالية. غير أن دعوته الجماعات الترابية والمحسنين إلى الانخراط في هذا الورش فتحت باباً حساساً في النقاش العمومي، لأن الأمر لا يتعلق بمساعدة ظرفية، بل بآلية يفترض أنها تحمي حق الطالب الفقير في مواصلة الدراسة.
هنا تبدو المفارقة واضحة: وزارة بميزانية من الملايير، ومنحة جامعية هزيلة تُفتح أمام مساهمات الجماعات والمحسنين.
فهل نحن أمام سياسة اجتماعية واضحة لإنصاف الطلبة، أم أمام منحة تتحول، بالتدريج، إلى ما يشبه “الصدقة الجارية” داخل قطاع يفترض أنه أحد أعمدة المصعد الاجتماعي؟
المعطيات المالية تزيد هذا السؤال حدة. فميزانية قطاع التعليم العالي برسم سنة 2026 بلغت 17.3 مليار درهم، موزعة بين 10.54 مليارات درهم للأجور، و4.98 مليارات درهم للمعدات والنفقات المختلفة، و1.79 مليار درهم للاستثمار، إضافة إلى اعتمادات مخصصة لدعم البحث العلمي والابتكار.
هذه الأرقام تبدو كبيرة على الورق، لكنها تصبح أقل إقناعاً حين ينظر إليها الطالب من زاوية أخرى: منحة لا تكفي، حي جامعي لا يسع الجميع، كراء مرتفع، نقل مكلف، ومصاريف يومية لا ترحم، خصوصاً بالنسبة للطلبة القادمين من العالم القروي أو من مناطق بعيدة عن المؤسسات الجامعية.
لهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس هو: كم رصدت الوزارة من اعتمادات؟ بل: أين يظهر أثر هذه الاعتمادات في حياة الطالب؟
فالميزانية لا تقاس فقط بما تكتبه الجداول المالية، بل بما تغيره في الواقع. وإذا كان الطالب القادم من أسرة محدودة الدخل لا يزال عاجزاً عن تغطية أبسط مصاريف الدراسة، فإن مشكل التعليم العالي لا يوجد فقط في حجم التمويل، بل في طريقة ترتيب الأولويات.
انتقادات الفرق النيابية ذهبت في هذا الاتجاه.
الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية نبه إلى ضعف قيمة المنحة، وإلى عدم استفادة عدد من الطلبة منها، داعياً إلى إعادة النظر في المعايير المعتمدة، وإقرار تمييز إيجابي لفائدة طلبة المناطق النائية، الذين يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى أقرب مؤسسة جامعية.
كما ربط الفريق ذاته بين غياب المنحة والهدر الجامعي، معتبراً أن الدعم الاجتماعي لا ينبغي أن يبقى محصوراً في منطق إداري ضيق، بل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار واقع الطالب، وبعده الجغرافي، ووضعية أسرته، وقدرتها الفعلية على تحمل كلفة الدراسة.
من جهتها، انتقدت المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية ربط الاستفادة من المنح بالسجل الاجتماعي الموحد، معتبرة أن هذا الربط أدى إلى عدم استفادة آلاف الطلبة من دعم يفترض أنه موجه أصلاً للفئات الهشة.
كما طرحت المجموعة سؤال الأرقام بحدة: كيف يمكن الحديث عن استفادة تتجاوز 90 في المائة، في وقت يفوق فيه عدد الطلبة مليوناً و300 ألف طالب، بينما لا يتجاوز عدد المستفيدين من المنحة حوالي 400 ألف؟
هذا التباين في قراءة الأرقام ليس تفصيلاً تقنياً. إنه جوهر النقاش.
فالوزارة تتحدث عن نسبة استجابة مرتفعة للطلبات، بينما يتحدث البرلمانيون عن نسبة المستفيدين مقارنة مع مجموع الطلبة. وبين الحسابين، تضيع الصورة الحقيقية للجامعة المغربية: هل المنحة تصل فعلاً إلى أغلب المحتاجين، أم أن الأرقام تقدم طمأنة إدارية لا تعكس حجم الحاجة الاجتماعية؟
الوزير أكد أن نسبة الاستفادة انتقلت من 83 في المائة إلى 95 في المائة، مع طموح بلوغ 97 في المائة، مبرزاً أن القانون رقم 59.24 المتعلق بالتعليم العالي والبحث العلمي فتح المجال أمام مساهمة الجماعات الترابية وفعاليات المجتمع في دعم الخدمات الاجتماعية للطلبة.
لكن هذا التوجه، رغم ما قد يحمله من رغبة في تعبئة موارد إضافية، لا يلغي السؤال السياسي: هل يمكن للجامعة العمومية أن تجعل من المحسنين جزءاً من معادلة تمويل المنح، في وقت يفترض أن تكون المنحة حقاً اجتماعياً منظماً، لا دعماً ينتظر النوايا الحسنة؟
لا أحد يعترض على مساهمة الجماعات أو المبادرات التضامنية حين تكون مكملة لدور الدولة. لكن الخطر يبدأ حين يتحول التكافل إلى بديل عن السياسة العمومية، وحين يصبح الطالب الفقير مضطراً إلى انتظار سخاء الآخرين داخل قطاع يفترض أنه يصنع العدالة، لا أن يعيد إنتاج الفوارق.
ثم إن مساهمة “المحسنين”، مهما كانت نبيلة ومقدرة، لا يمكن أن تضمن استدامة المنحة الجامعية. فالمحسن قد يساهم اليوم وينقطع غداً، وقد ترتفع المبادرات في موسم وتتراجع في موسم آخر، بينما مسار الطالب لا يُبنى على المزاج ولا على النوايا الحسنة المتغيرة.
الطالب الذي يبدأ الإجازة يحتاج إلى أفق واضح. والذي يطمح إلى الماستر أو الدكتوراه يحتاج إلى دعم مستقر يمكنه من التخطيط لمستقبله، لا إلى انتظار تمويل قد يحضر وقد يغيب.
لذلك، فإن العدالة الجامعية لا يمكن أن تقوم على الإحسان وحده، بل على سياسة عمومية ثابتة، ممولة، وقابلة للاستمرار.
في بلد يتحدث عن الجامعة الجديدة، والرقمنة، والبحث العلمي، وتكوين الكفاءات، ورفع عدد المهندسين، وربط التكوين بسوق الشغل، لا يمكن أن تبقى المنحة الجامعية بهذا الضعف، ولا أن يظل الطالب الهش عالقاً بين شروط السجل الاجتماعي، وضيق الأحياء الجامعية، وكلفة النقل، ونداء المحسنين.
فالجامعة لا تنتج النخب بالشعارات وحدها تنتجها حين تضمن للطالب الحد الأدنى من الكرامة المادية، وتمنحه فرصة حقيقية لمواصلة الدراسة دون أن يتحول الفقر إلى قرار غير معلن بمغادرة المدرجات.
المطلوب اليوم ليس فقط رفع قيمة المنحة، بل إعادة النظر في فلسفتها.
هل هي مجرد دعم محدود لمن استطاع عبور غربال المعايير؟ أم هي أداة من أدوات الدولة لضمان تكافؤ الفرص بين طالب يدرس قرب أسرته، وطالب آخر يغادر قريته محملاً بكلفة الكراء والتنقل والغربة؟
وهل يمكن بناء مسار جامعي طويل، من الإجازة إلى الماستر ثم الدكتوراه، على موارد غير مضمونة، ومساهمات قد تختلف من جهة إلى أخرى، ومن موسم إلى آخر؟
لذلك، فإن معركة المنحة ليست ملفاً اجتماعياً صغيراً داخل قطاع التعليم العالي.
إنها مرآة تكشف هل تتحول ميزانية الملايير فعلاً إلى عدالة جامعية، أم تبقى أرقاماً كبيرة بأثر محدود في جيوب الطلبة.
