لم تعد التسريبات الرقمية في المغرب مجرد حوادث تقنية عابرة، ولا أخباراً معزولة تظهر يوماً ثم تختفي، بل تحولت إلى سؤال ثقيل يلاحق الدولة ومؤسساتها: كيف يمكن لحكومة تتحدث عن الذكاء الاصطناعي والسيادة الرقمية والإدارة الذكية، أن تعجز عن طمأنة المواطن على أبسط معطياته الشخصية؟.
آخر حلقات هذا القلق تفجرت مع ما راج حول منصة Watiqa.ma، بعدما أعلنت صفحة تحمل اسم “جبروت” على تطبيق تلغرام عن نشر قاعدة بيانات قالت إنها تخص الحالة المدنية ومستعملي المنصة الرسمية المخصصة لطلب الوثائق الإدارية عن بعد، في تسريب تحدثت معطيات إعلامية عن أنه يضم 695.402 سجلاً، تشمل أسماء وأرقام هواتف وبريداً إلكترونياً وعناوين وتواريخ ازدياد وأرقام طلبات ومعطيات مرتبطة بشهادات الميلاد ومكاتب الحالة المدنية، في انتظار توضيح رسمي يحدد حقيقة ما وقع وحجمه ومصدره التقني.
خطورة الملف لا تكمن فقط في الرقم المتداول، بل في طبيعة المنصة نفسها، لأن “وثيقة” ليست موقعاً عادياً، بل واجهة رقمية يلجأ إليها المواطنون داخل المغرب وخارجه لطلب وثائق إدارية حساسة، ما يجعل أي تسريب منسوب إليها ضربة مباشرة في قلب الثقة بين المواطن والإدارة الرقمية.
وإذا كان ملف “وثيقة” ما يزال يحتاج إلى توضيح رسمي مفصل، فإن ما وقع قبل ذلك مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي لم يعد مجرد إشاعة عابرة، فقد تحدثت تقارير صحفية ودولية عن تسريب ضخم طال معطيات مرتبطة بمئات الآلاف من المقاولات وحوالي مليوني أجير، من بينها أسماء وأجور وأرقام تعريف ومعطيات إدارية ومهنية حساسة.
بل إن الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي نفسه أقر، بحسب ما نقلته تقارير إعلامية، بتعرض نظامه المعلوماتي لسلسلة من الهجمات السيبرانية، مع التأكيد أن بعض الوثائق المتداولة قد تكون غير دقيقة أو مبتورة، غير أن هذا التوضيح لم ينه القلق، لأن حجم التسريب وطبيعته جعلا المواطن أمام سؤال أكبر من البلاغات التقنية.
المشكلة أن المواطن لا يعيش على لغة البيانات الرسمية وحدها، بل يعيش على أثر التسريب في حياته اليومية، حين يرى أن اسمه ورقم بطاقته وأجره ومعطياته المهنية يمكن أن تتحول إلى مادة متداولة في قنوات ومنصات، وكأن الخصوصية لم تعد حقاً مضموناً، بل صدفة مؤقتة تنتظر أول اختراق.
الأكثر إحراجاً أن التسريبات لم تمس المواطن العادي وحده، بل كشفت، بحسب ما نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية، معطيات مرتبطة بشركات كبرى وشخصيات نافذة ودوائر اقتصادية قريبة من مراكز القرار، بما جعل الفضيحة لا تكشف هشاشة الحماية فقط، بل تفتح أيضاً نقاشاً اجتماعياً وسياسياً حول الأجور والامتيازات والتفاوتات التي كانت محجوبة خلف جدران المؤسسات.
هنا بالضبط يتحول التسريب من حادث سيبراني إلى فضيحة ثقة، لأن المعطيات حين تخرج من الخوادم لا تفضح فقط ضعف الجدار الرقمي، بل تكشف أحياناً ما وراءه من أسرار مالية وإدارية، ومن فوارق صادمة بين خطاب التقشف الموجه للمواطنين وواقع الامتيازات الذي يطفو فجأة فوق سطح الإنترنت.
ولم يقف اسم “جبروت” عند حدود الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أو منصة “وثيقة”، فقد نُسبت إلى المجموعة نفسها هجمات وتسريبات أخرى، من بينها ما قيل عن استهداف قاعدة بيانات السجل العقاري، حيث تحدثت تقارير عن سرقة حجم ضخم من المعطيات العقارية، شملت وثائق ملكية وعقوداً ومستندات حساسة مرتبطة بعقارات وملاكها.
كما تحدثت تقارير إعلامية عن استهداف موقع وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات خلال موجة الهجمات نفسها، وهو ما جعل الملف يتجاوز حدود مؤسسة واحدة، ليضع منظومة الأمن الرقمي العمومي كلها أمام سؤال القدرة والجاهزية والمحاسبة.
هذا التراكم يفرض سؤالاً أكبر من السؤال التقني: هل نحن أمام اختراقات متفرقة، أم أمام خلل بنيوي في منظومة حماية المعطيات العمومية؟.
فحين تتكرر الأسماء نفسها، وتتشابه السيناريوهات نفسها، وتخرج المعطيات من مؤسسات مختلفة، يصبح من الصعب إقناع المواطن بأن الأمر مجرد حادث عابر أو خطأ محدود.
المغرب لا يعاني من غياب الخطاب الرقمي، بل ربما يعاني من فائض في الخطاب وقلة في الحماية.
هناك وكالة للتنمية الرقمية، وهناك لجنة وطنية لمراقبة حماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وهناك قانون 09.08، وهناك استراتيجيات وشعارات حول الثقة الرقمية والسيادة الرقمية والإدارة الذكية، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أين يظهر أثر كل هذا حين تصبح معطيات المغاربة في مهب التسريبات؟.
الأمر يصبح أكثر حساسية حين نضعه أمام لغة الأرقام، فقد خصص المغرب 11 مليار درهم لاستراتيجية التحول الرقمي للفترة ما بين 2024 و2026، وهي استراتيجية تشمل، بحسب ما نقلته وكالة “رويترز”، الذكاء الاصطناعي، وتوسيع البنية التحتية الرقمية، والألياف البصرية، ومراكز البيانات، والحوسبة السحابية.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً ومؤلماً: أين تذهب هذه الملايير؟.
هل تُصرف فعلاً على حماية الخوادم، واختبارات الاختراق، والتدقيق المستقل، وتكوين فرق الأمن السيبراني، وتحسين الاستجابة للحوادث، أم تضيع بين الاستشارات والواجهات والصفقات والمنصات الجميلة التي تنهار ثقتها عند أول تسريب؟.
المواطن لا يرفض الرقمنة، بل يرفض أن يتحول إلى حقل تجارب رقمية.
يريد إدارة أسرع، ووثائق أقل تعقيداً، وخدمات عن بعد، لكنه يريد قبل ذلك أن يطمئن إلى أن رقم بطاقته الوطنية، واسمه، وعنوانه، وأجره، ووثائقه، ليست معروضة في سوق مفتوح لكل من يملك ثغرة أو قناة تلغرام.
لهذا لم يعد كافياً أن تخرج المؤسسات ببلاغات مقتضبة بعد كل ضربة، تقول فيها إن التحقيق جارٍ، أو إن بعض الوثائق غير دقيقة، لأن المواطن يريد جواباً أوضح: ماذا وقع؟ من المسؤول؟ ما حجم الضرر؟ هل تم إشعار المتضررين؟ هل هناك خطر على الحسابات البنكية أو الهويات؟ ومن سيحاسب إذا ثبت الإهمال؟.
إن أخطر ما في هذه التسريبات ليس فقط نشر المعطيات، بل تطبيع الدولة والمجتمع مع فكرة التسريب نفسه.
حين يصبح تسريب بيانات مئات الآلاف أو ملايين المواطنين خبراً عادياً، وحين تمر كل فضيحة رقمية دون كشف كامل للحقيقة، فإن الثقة لا تنكسر دفعة واحدة، بل تتآكل بهدوء، وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب مشروع الرقمنة.
المطلوب اليوم ليس قتل الرقمنة، بل إنقاذها من نفسها.
والإنقاذ يبدأ بافتحاص حقيقي وشامل للملايير التي صُرفت وتصرف باسم التحول الرقمي، من طرف المجلس الأعلى للحسابات والبرلمان والهيئات الرقابية المختصة، لمعرفة أين ذهبت الأموال، ومن استفاد من الصفقات، وما نصيب الأمن المعلوماتي الحقيقي من هذه الميزانيات، وهل توجد اختبارات مستقلة للمنصات العمومية قبل إطلاقها وبعد تشغيلها.
كما أن اللجنة الوطنية لحماية المعطيات مطالبة بأن تكون أكثر حضوراً ووضوحاً في مثل هذه اللحظات، لا فقط كهيئة قانونية، بل كصوت مؤسساتي يشرح للمواطن حقوقه، ويوضح المسؤوليات، ويدفع نحو محاسبة من يثبت تقصيره في حماية المعطيات.
فحماية المعطيات الشخصية ليست ترفاً تقنياً، بل جزء من كرامة المواطن وأمنه الفردي.
ومن حق المغربي أن يعرف هل معطياته محمية فعلاً، أم أن كل ما قيل له عن الثقة الرقمية لم يكن سوى واجهة أنيقة فوق نظام هش.
الدولة التي تريد أن تبني إدارة رقمية قوية لا يمكن أن تترك المواطن يكتشف مصير بياناته من منشور مجهول أو تسريب على تلغرام.
والحكومة التي تتحدث عن الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والسيادة الرقمية مطالبة أولاً بأن تثبت أنها قادرة على حماية الاسم، والرقم، والوثيقة، والحساب، والهوية.
أما إذا استمرت التسريبات بلا كشف كامل ولا محاسبة واضحة ولا افتحاص للملايير، فإن كل حديث عن الرقمنة سيبقى مجرد شعار مضيء فوق بناية إلكترونية متصدعة.
