أعاد تحقيق فرنسي-تشيكي ملف التأشيرات الأوروبية بالمغرب إلى واجهة النقاش، بعدما كشفت منصة Blast الفرنسية، في عمل مشترك مع المنبر التشيكي Seznam Zprávy، عن معطيات مثيرة تتعلق بشبهات استعمال سفارة دولة أوروبية بالرباط كمنفذ للحصول على تأشيرات شنغن، لفائدة مغاربة قُدموا في الوثائق، حسب رواية التحقيق، كـ”سياح”، قبل أن تتجه مساراتهم نحو فرنسا.
التحقيق، المنشور بتاريخ 18 ماي 2026، قدم نفسه كعمل حصري مبني على تسجيلات ووثائق داخلية ومعطيات حصل عليها الصحافيون، وتحدث عن شبهة شبكة منظمة لم تكن، وفق ما ورد فيه، مجرد اختلال إداري معزول في منح التأشيرات، بل آلية أوسع تحركت بين الرباط وعواصم أوروبية، عند تقاطع حساس بين المال، والوساطة، والدبلوماسية.
وبحسب منصة Blast، يظهر في قلب الملف وسيط يحمل جنسية مزدوجة، تتهمه رواية التحقيق بلعب دور محوري في تسهيل الحصول على تأشيرات لفائدة أشخاص مغاربة، مستفيداً من علاقات داخل محيط دبلوماسي وسياسي أوروبي، ومن قدرته على فتح أبواب في المغرب أمام شخصيات سياسية واقتصادية قادمة من أوروبا الوسطى.
الأخطر في المعطيات المنشورة أن الملف، حسب التحقيق ذاته، بدأ حين رفضت مسؤولة قنصلية التوقيع على بعض التأشيرات التي أثارت لديها الشكوك، وحاولت التبليغ داخلياً عن الموضوع، قبل أن تجد نفسها، وفق رواية Blast، في مواجهة ضغط إداري وسياسي بدل فتح مسار مؤسساتي واضح للتحقق من الوقائع.
هنا لا يعود الأمر مجرد شبهة تأشيرات، بل يتحول إلى سؤال أكبر حول حماية المبلغين داخل المؤسسات الدبلوماسية الأوروبية، وحول قدرة أجهزة الاتحاد الأوروبي على مراقبة ما يجري داخل قنصليات وسفارات دوله، خصوصاً في بلدان يعرف فيها الطلب على تأشيرات شنغن ضغطاً اجتماعياً واقتصادياً كبيراً.
الرباط، في هذا التحقيق، لا تظهر كجهة اتهام للدولة المغربية، لكنها تحضر كمسرح دبلوماسي لملف أوروبي معقد، حيث تقول Blast إن سفارة دولة عضو في الاتحاد الأوروبي استُعملت، بحسب مزاعم التحقيق، كمنفذ داخل المغرب للحصول على وثائق تسمح بدخول فضاء شنغن، قبل أن تتجه بعض المسارات نحو فرنسا.
وهذا ما يجعل القضية حساسة مغربياً، ليس لأنها تدين المغرب، بل لأنها تضع العاصمة المغربية داخل ملف أوروبي عابر للحدود، عنوانه الظاهر تأشيرات وسفر، وعمقه الحقيقي علاقة ملتبسة بين الحاجة إلى الهجرة، وسوق الوساطة، وثغرات الرقابة داخل المنظومة القنصلية الأوروبية.
فالمغاربة الذين يصطفون أمام القنصليات بحثاً عن موعد أو تأشيرة يعرفون جيداً أن سوق الوسطاء ليس خيالاً، وأن حلم السفر قد يتحول في لحظة إلى تجارة رمادية، تتداخل فيها المواعيد، والملفات، والوعود، والعلاقات.
غير أن الجديد في هذا التحقيق هو الحديث عن اختراق محتمل من داخل مؤسسة دبلوماسية أوروبية نفسها، لا فقط من خارجها.
التعامل الصحفي مع الملف يفرض، مع ذلك، قدراً كبيراً من الحذر، لأن ما نشرته Blast يظل في جزء مهم منه رواية تحقيقية مبنية على وثائق وشهادات تحتاج إلى ردود رسمية من الأطراف المعنية، سواء من السلطات الأوروبية، أو السفارة المعنية، أو باقي الأسماء التي وردت في سياق التحقيق.
لذلك، فالعبارة المهنية الدقيقة ليست أن “شبكة تأشيرات ثبتت”، بل أن “تحقيقاً فرنسياً-تشيكياً يتحدث عن شبهات شبكة تأشيرات”.
والفرق هنا ليس لغوياً فقط، بل قانوني وأخلاقي أيضاً، لأن الصحافة الجادة تنقل المعطيات وتفتح الأسئلة، لكنها لا تصدر الأحكام قبل المؤسسات المختصة.
سياسياً، يضع الملف الاتحاد الأوروبي أمام سؤال محرج: كيف يمكن لدول أوروبية أن تشدد خطابها حول الهجرة غير النظامية، وتبني الجدران القانونية والإدارية في وجه الراغبين في العبور، ثم تظهر داخل فضائها الدبلوماسي، وفق تحقيق صحفي، ثغرات تسمح بتحويل التأشيرة إلى سلعة تُدار عبر الوسطاء والعلاقات؟.
أما مغربياً، فإن القضية تستحق المتابعة لأنها تفتح نافذة على اقتصاد خفي للتأشيرات، حيث تصبح الوثيقة الأوروبية أكثر من ورقة سفر، وتتحول إلى مفتاح اجتماعي ومالي، يدفع ثمنه غالباً أشخاص يبحثون عن فرصة، بينما تتحرك فوق رؤوسهم شبكات أكثر تنظيماً ونفوذاً.
في العمق، لا يتعلق الأمر بتأشيرات فقط، بل بثلاثة أسئلة أكبر: من يتحكم فعلياً في أبواب شنغن داخل المغرب؟ كيف تُدار شبكات الوساطة بين المال والسياسة والدبلوماسية؟ ومن يحمي المواطنين من تحويل حلم السفر إلى سوق مفتوحة على الغموض والابتزاز والانتظار؟.
وبين الرباط وعواصم أوروبية متعددة، لا تبدو القصة مجرد ملف تأشيرات عابر، بل مرآة لعلاقة مختلة بين جنوب يبحث عن العبور، وشمال يرفع الجدران، ووسطاء يعرفون جيداً كيف يحولون الحدود إلى تجارة، والانتظار إلى سوق، والأمل إلى ملف فوق مكتب قنصلي.
