لم يعد مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة مجرد نص مهني عابر، ولا مجرد تعديل تقني لشروط الولوج والتكوين والتأديب، بل صار واحداً من أكثر النصوص حساسية داخل منظومة العدالة، لأنه لا يمس المحامين وحدهم، بل يمس موقع الدفاع في الدولة، وحدود استقلال المهنة، والعلاقة الدقيقة بين المحامي والسلطة والقضاء والمواطن.
كشف تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان والحريات بمجلس النواب، اليوم الثلاثاء، ملامح الصيغة المعدلة لمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، بعد اجتماع طويل امتد لنحو ثماني ساعات، خُصص للبت في مئات التعديلات التي تقدمت بها فرق الأغلبية والمعارضة، قبل المصادقة عليه داخل اللجنة بأغلبية 16 نائباً مقابل 7 معارضين، في مشهد برلماني أظهر أن الخلاف حول النص لم يكن خلافاً شكلياً، بل نقاشاً عميقاً حول مستقبل مهنة ظل استقلالها جزءاً من ضمانات المحاكمة العادلة.
في الواجهة، يقدم المشروع نفسه بوصفه نصاً إصلاحياً يسعى إلى تحديث مهنة المحاماة، ورفع جودة التكوين، وضبط شروط الولوج، وتقوية الأخلاقيات المهنية، وتوضيح علاقة المحامي بموكله، وإعادة ترتيب هياكل الهيئات، وهي عناوين لا يمكن الاعتراض عليها من حيث المبدأ، لأن المهنة فعلاً تحتاج إلى تحديث حقيقي يواكب التحولات القانونية والاقتصادية والاجتماعية.
لكن المشكلة لا توجد في العناوين الكبرى، بل في التفاصيل الصغيرة التي تصنع المعنى الحقيقي للقانون، فكلما تقدم النص في اتجاه التنظيم، ظهر سؤال الوصاية من خلف الستار، وكلما تحدث عن التأهيل، برزت مخاوف من تحويل الإصلاح إلى مدخل لإعادة ضبط المهنة من الخارج.
من بين أبرز التعديلات التي حملها المشروع رفع الحد الأقصى لسن الولوج إلى المهنة من 40 إلى 45 سنة، مع الإبقاء على السن الأدنى في 21 سنة، وتشديد شروط الأهلية، خصوصاً بالنسبة لمن صدرت في حقهم أحكام مرتبطة بجرائم الأموال أو التزوير، وهي مقتضيات تبدو مفهومة في سياق حماية المهنة من الاختراقات الأخلاقية، لكنها تفتح في المقابل نقاشاً أوسع حول من يملك سلطة تقدير الأهلية، ومن يرسم حدود الثقة، ومن يقرر من يستحق العبور إلى مهنة الدفاع.
كما نص المشروع على تنظيم مسار التكوين داخل المعهد، واعتماد صفة طالب بالمعهد لمدة سنة للحصول على شهادة الكفاءة، مع تمديد أجل التسجيل في لائحة المحامين المتمرنين من ثلاثة أشهر إلى ستة أشهر، وهي إجراءات يمكن قراءتها كخطوة نحو عقلنة التكوين، لكنها تضع في قلب النقاش سؤالاً حاسماً حول طبيعة المعهد، هل سيكون فضاء لصناعة محام مستقل ومؤهل، أم بوابة مركزية تتحكم في إيقاع الدخول إلى المهنة وعدد الوافدين عليها.
الأكثر حساسية أن تنظيم مباراة ولوج المعهد سيظل مرتبطاً بالسلطة الحكومية المكلفة بالعدل، وهنا ينتقل النقاش من التقنية إلى السياسة المهنية، لأن المحاماة ليست وظيفة عمومية، وليست ملحقة إدارية، بل مهنة حرة قائمة على الاستقلال، وكلما توسع حضور الوزارة في مفاصل الولوج والتكوين والتأديب، صار السؤال مشروعاً حول الحدود الفاصلة بين التأطير الضروري والتوجيه غير المعلن.
ولا يتوقف النقاش عند الولوج، بل يمتد إلى التأديب، حيث أقر المشروع نظاماً يميز بين طالب المعهد والمحامي المتمرن، مع تحديد اختصاصات مدير المعهد والنقيب في البحث والتحري، وإحداث لجنة تأديبية برئاسة السلطة الحكومية المكلفة بالعدل، وضمانات مسطرية تشمل الاستدعاء والاطلاع والمؤازرة، وهي مقتضيات تبدو من الناحية الشكلية منظمة، لكنها تطرح من الناحية الجوهرية سؤالاً حساساً حول موقع السلطة التنفيذية داخل آليات التأديب المهني.
لا أحد يدافع عن الفوضى داخل المحاماة، ولا أحد يرفض محاسبة من يخل بأخلاقيات المهنة، لكن التأديب في مهنة الدفاع ليس إجراءً إدارياً بارداً، بل آلية تمس صميم استقلال المحامي، لأن المحامي الذي يخشى سلطة التأديب أكثر مما يثق في ضماناتها قد يجد نفسه أقل جرأة في الدفاع، وأقل قدرة على مواجهة الاختلالات، وأكثر حذراً في ممارسة دوره الطبيعي داخل العدالة.
في مستوى آخر، أعاد المشروع ترتيب قواعد انتخاب النقباء ومجالس الهيئات، من خلال اعتماد نظام تمثيلي حسب الأقدمية، وتحديد مدة انتداب النقيب في ثلاث سنوات غير قابلة للتجديد، وضبط شروط الترشح، واعتماد الاقتراع الاسمي الفردي السري، وإدراج آلية خاصة بتمثيل النساء، وهي تعديلات يمكن تقديمها كمدخل لتجديد الدماء داخل المؤسسات المهنية، لكنها لا تخلو من سؤال داخلي حول إعادة توزيع مراكز القوة داخل الهيئات.
فحين يغير القانون قواعد الانتخاب داخل مهنة مستقلة، فهو لا يغير فقط طريقة التصويت، بل يغير توازنات السلطة داخل الجسم المهني، وحين يضع نسباً وتمثيليات وشروطاً جديدة، فإنه لا ينتج فقط مجالس جديدة، بل يعيد رسم الخريطة الداخلية للمهنة، بين من يرى في ذلك دمقرطة ضرورية، ومن يخشى أن يتحول إلى هندسة دقيقة لمجالس أكثر قابلية للضبط.
كما وسع المشروع مهام المحامي لتشمل صفة وكيل للمهن الرياضية والفنية، وهو توجه يعكس رغبة في مواكبة التحولات الجديدة لسوق الخدمات القانونية، خصوصاً في مجالات الرياضة والفن والعقود والتمثيل، غير أن توسيع المهام المهنية لا ينبغي أن يغطي على السؤال الأصلي، لأن قوة المحامي لا تقاس فقط باتساع مجالات تدخله، بل بهامش استقلاله داخل كل هذه المجالات.
أما إلزامية الاحتفاظ بتكليف مكتوب أو بما يثبته عبر الوسائل الحديثة، فهي خطوة إيجابية من حيث حماية الموكل والمحامي معاً، لأنها تضبط العلاقة التعاقدية وتحد من سوء الفهم والنزاعات، لكنها بدورها تؤكد أن المهنة تتحرك نحو زمن جديد، حيث لم تعد الثقة الشفوية وحدها كافية، وحيث صار التوثيق جزءاً من حماية الحقوق.
لذلك، لا يمكن اختزال مشروع القانون 66.23 في معركة بين وزارة ومحامين، ولا في صراع بين تحديث ومحافظة، لأن الصورة أعقد من ذلك، فالنص يحمل وجهاً إصلاحياً واضحاً، لكنه يحمل أيضاً وجهاً آخر يثير القلق، وجه يتمثل في اتساع حضور السلطة الحكومية داخل مفاصل حساسة من مهنة يفترض أن تبقى حرة ومستقلة وقادرة على الوقوف في المسافة الصحيحة من الجميع.
المحاماة تحتاج إلى إصلاح، نعم، لكنها لا تحتاج إلى إصلاح يجعلها تشعر بأنها تحت المراقبة الدائمة، وتحتاج إلى تخليق، نعم، لكنها لا تحتاج إلى تخليق يتحول إلى عصا تأديبية فوق رأس الدفاع، وتحتاج إلى تجديد مؤسساتها، نعم، لكنها لا تحتاج إلى هندسة انتخابية تفتح الباب لتأويلات حول التحكم في موازينها الداخلية.
في العمق، المعركة ليست حول سن الولوج، ولا حول عدد سنوات التكوين، ولا حول مدة انتداب النقيب، بل حول الفلسفة التي تحكم النص كله، هل نريد محامياً أكثر كفاءة وأكثر نزاهة وأكثر انفتاحاً على العصر، أم نريد محامياً أكثر قرباً من الإدارة وأقل قدرة على حماية مسافته المستقلة عنها.
قوة العدالة لا تصنعها المحاكم وحدها، ولا القوانين وحدها، ولا المؤسسات وحدها، بل يصنعها توازن دقيق بين قاض مستقل، ونيابة عامة مسؤولة، ومحام حر، ومواطن يثق بأن حقه في الدفاع ليس مجرد إجراء شكلي، بل ضمانة حقيقية أمام السلطة والخصم والمؤسسة.
لهذا يبدو مشروع قانون المحاماة الجديد نصاً بوجهين، وجه يتحدث عن الإصلاح والتحديث والتأهيل، ووجه آخر يفتح سؤال التحكم والوصاية وإعادة ترتيب المهنة من الداخل، وبين الوجهين تقف المحاماة أمام امتحان كبير، إما أن تخرج أقوى وأكثر استقلالاً، وإما أن تجد نفسها منظمة أكثر، لكنها أضعف في جوهرها.
السؤال اليوم لم يعد هل تحتاج المحاماة إلى إصلاح، فالجواب واضح، بل السؤال الحقيقي هو من سيقود هذا الإصلاح، وبأي فلسفة، ولأي غاية، وهل سيكون المحامي بعد قانون 66.23 أقوى في الدفاع عن المواطن، أم أكثر انشغالاً بالدفاع عن استقلال مهنته.
